من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٧٤ - يا أيها الإنسان ما غرك برك الكريم
التسوية في الخلق نافذة في كل أعضاء الجسد، حتى قال ربنا عن البنان بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ [القيامة: ٤]، ويأتي العلم الحديث ويقول: إن لكل إنسان بصمات مختلفة عن أي بشر آخر في العالم، ويعتقد أن صورة بصمات بنانه منسجمة مع مجمل كيانه، حتى أنهم بدؤوا يكتشفون بعض الأمراض من صفحة كف الإنسان أوليس ذلك دليل الحكمة في الخلق؟.
وقال بعضهم في معنى التسوية: إنه سوى بين طرفي جسد الإنسان في كل شيء (بما يتناسب ووجوده). وقال البعض: إنه سبحانه جعل كل عضو يتعامل مع سائر الأعضاء. وقال آخر: إنه سبحانه سخر له المكونات، وما جعله مسخرا لشيء، ثم انطلق لسانه بالذكر، وقلبه بالعقل، وروحه بالمعرفة، وسره بالإيمان، وشرفه بالأمر والنهي، وفضله على كثير ممن خلق تفضيلا. وإن كل ذلك لمن بعض تجليات الاستواء في الخلق.
وقد بلغت درجة الاستواء منتهاها في خلقة البشر فكانت عدلا لا نجد فيه ثغرة أو زيغا فَعَدَلَكَ. ويبدو لي أن الصفات الثلاث (الخلق والتسوية والتعديل) درجات في حالة واحدة، فالخلق بمعناه اللغوي هو التقدير، والاستواء تكامل الترتيب، والعدل تناسق التكامل بين حاجات الشيء والحكمة منه، فقد سُوِّي الإنسان بحيث يستطيع أن يقوم بالدور المحدد له تماما. وقد قال بعضهم: المراد من التعديل: أن الله جعله معتدلا سوي الخلق، وقال آخر: إن معناه أن الله أماله وحرفه في أي صورة شاء، ويبدو أن المعنى الأول أنسب والسياق. فيكون معنى الخلق التقدير، ومعنى الاستواء التناسب بين أعضائه، ومعنى العدل التناسب مع المحيط.
[٨] وبعد أن تكاملت خلقته واستوت على أساس الحكمة والعدل اختار الرب لها الصورة حسب مشيئته، وحسب حكمة بالغة يصعب معرفة كنهها فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ. لكل واحد منا صورة ظاهرة جميلة أو ذميمة أو مقبولة اختارها الله لنا حسب تقسيم الأرزاق الذي يتبع حكمته عليها، قد لا يرضى ببعض مفرداتها هذا أو ذاك لما في البشر من الحرص والطمع والاستئثار، ولكنها من حيث المجموع مقبولة حسب شهادة فطرة كل إنسان وعقله. وكما الصور الظاهرة هناك صورة داخلية ركبت على الإنسان. أو لا ترى كيف فضل الله كل إنسان بميزة، وأودع في ضميره رغبة تختلف عن الآخرين، مما يجعل كل شخص يختار طريقا مختلفا في الحياة، يلتقي بالتالي في إيجاد حالة من التكامل في المجتمع، فترى البعض يختار الطب ويصلح له، والثاني يرغب في الهندسة وتتناسب شخصيته معها، والثالث يطمح للقيادة أو الإدارة وهو لها أهل، في حين لا يرغب البعض إلا في الأعمال اليدوية .. وهكذا قال ربنا سبحانه لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً [الزخرف: ٣٢]. وهذا لا يعني أن هذه الرغبات