من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٨١ - وما أدراك ما ليلة القدر
فإن لله البداء في أمره، ويمحو عنه السقوط ويمد في ملكه، وقد قال ربنا سبحانه إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ [الرعد: ١١].
البصيرة الثالثة: أن الناس يزعمون أن هناك أحداثا تجري عليهم، لا صنع لهم فيها كموت عزيز، والاصابة بمرض عضال، والابتلاء بسلطان جائر، أو بالتخلف، أو بالجفاف، ولكن الأمر ليس كذلك إذ إن حتى هذه الظواهر التي تبدو أنها خارج إطار مشيئة الإنسان إنما تقع بإذن الله وتقديره وقضائه، وأن الله لا يقضي بشيء إلا حسب ما تقتضيه حكمته وعدالته، ومن عدله أن يكون قضاؤه وتقديره حسب ما يكسبه العباد، أولم يقل ربنا سبحانه ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ [الروم: ٤١]. وإن في ذلك لكرامة بالغة لمشيئة الإنسان أن يجعل الله تقديره وفق قرار ما، أليس كذلك.
[٥] السلام كلمة مضيئة تغمر الفؤاد نورا وبهجة، لأنها تتسع لما تصبو إليه النفس، وتتطلع نحوه الروح، ويبتغيه العقل، فلا يكون الإنسان في سلام عندما يشكو من نقص في أعضاء بدنه، أو شروط معيشته، أو تطلعات روحه، فهل للمريض سلام، أم للمسكين عافية، أم للحسود أمن؟ كلا .. إنما السلام يتحقق بتوافر الكثير .. الكثير من نعم الله التي لو افتقرنا إلى واحدة منها فقدنا السلام. أولم تعلم كم مليون نعمة تتزاحم على بدنك حتى يكون في عافية، وكم مليون نعمة تحيط بمجمل حياتك وتشكلان معا سلامتها، وليلة القدر ليلة السلام، حيث يقول ربنا سبحانه سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ حينما تنسب هذه الموهبة الإلهية إلى الزمن نعرف إنها تستوعبه حتى لتكاد تفيض منه، فالليل السلام كل لحظاته سلام لكل الأنام، كما اليوم السعيد كله هناء وفلاح، بينما اليوم النحس تتفجر النحوسة من أطرافه. فماذا يجري في ليلة القدر حتى تصبح سلاما إلى مطلع الفجر؟.
لا ريب أن الله سبحانه يغفر في تلك الليلة لفئام من المستغفرين، وينقذهم- بذلك- من نار جهنم، وأي سلام أعظم من سلامة الإنسان من عواقب ذنوبه في الدنيا والآخرة. من هنا يجتهد المؤمنون في هذه الليلة لبلوغ هذه الأمنية وهي العتق من نار جهنم، ويقولون بعد أن ينشروا المصحف أمامهم
[اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِكِتَابِكَ الْمُنْزَلِ ومَا فِيهِ وفِيهِ اسْمُكَ الْأَعْظَمُ الْأَكْبَرُ وأَسْمَاؤُكَ الْحُسْنَى ومَا يُخَافُ ويُرْجَى أَنْ تَجْعَلَنِي مِنْ عُتَقَائِكَ مِنَ النَّارِ]
[١]. كذلك يقدر للإنسان العافية فيها، وإتمام نعم الله عليه، وقد سأل أحدهم النبي صلى الله عليه واله: [أَي شَيءٍ يَطْلِبهُ مِن الله فِي هَذِهِ الليلةِ؟ فَأَجَابَهُ- حَسَب الرِوَاية-
العَافِية]
[٢]. وقد تدخل على فرد هذه الليلة وهو من الأشقياء فيخرج منها سعيداً،
[١] الكافي ج ٢، ص ٦٢٩.
[٢] الكافي: ج ٢، ص ٢٢٦.