من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٠٧ - إنك كادح لربك كدحا فملاقيه
حينما نموت وترعرعت واجهت ألوان الضغوط الجسدية والنفسية. ودخلت معترك الحياة التي كلها صراع وصعوبات. إن كل هذه ألوان من الكدح في حياة الإنسان. ولكن يا ليت كانت هي النهاية؟ كلا .. بعد كل ذلك يأتي يوم اللقاء مع من؟ مع رب العزة، ولم؟ للسؤال، وفي أي يوم؟ في يوم الطامة.
إن كل ذلك يجعلنا ننظر إلى أنفسنا باحترام بالغ. إنها ليست كالشجرة التي تنبت في مزرعتنا ثم تمضي لشانها بعد عمر محدود دون عناء التحديات، وليست كالأنعام أو أي حي آخر يمضي دورته الحياتية برتابة ودون تحديات أو كدح. إنها النفس التي أكرمها الله وسخر لها الشمس والقمر وما في الأرض جميعا، ولهدف عظيم. إن ذلك الهدف هو لقاء الرب للمحاكمة فالجزاء، وهذه الحياة بما فيها من كدح شاهد على ذلك المصير بما فيه من جزاء. فَمُلاقِيهِ وإذا كانت الحياة سلسلة متواصلة من الكدح والنصب فلماذا السرور واللهو إذن؟ ولماذا يبيع الإنسان الآخرة بالدنيا ما دمنا جميعا كادحون. أهل الصلاح والمفسدون كل في طريقه؟ ولعل المفسد يتعرض لكدح أكبر، لأنه يفقد أمل المستقبل وتوكل المؤمن على ربه، ويبدو أن الإمام زين العابدين يشير إلى ذلك حين يقول فيما روي عنه
[الرَّاحَةُ لَمْ تُخْلَقْ فِي الدُّنْيَا وَ لَا لِأَهْلِ الدُّنْيَا، إِنَّمَا خُلِقَتِ الرَّاحَةُ فِي الْجَنَّةِ وَ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ، وَ التَّعَبُ وَ النَّصْبُ خُلِقَا فِي الدُّنْيَا وَ لِأَهْلِ الدُّنْيَا، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ مِنْهَا حَفْنَةً إِلَّا أُعْطِيَ مِنَ الْحِرْصِ مِثْلَيْهَا، وَ مَنْ أَصَابَ مِنَ الدُّنْيَا أَكْثَرَ كَانَ فِيهَا أَشَدَّ فَقْراً؛ لِأَنَّهُ يَفْتَقِرُ إِلَى النَّاسِ فِي حِفْظِ أَمْوَالِهِ وَ يَفْتَقِرُ إِلَى كُلِّ آلَةٍ مِنْ آلَاتِ الدُّنْيَا، فَلَيْسَ فِي غِنَى الدُّنْيَا رَاحَةٌ وَ لَكِنَّ الشَّيْطَانَ يُوَسْوِسُ إِلَى ابْنِ آدَمَ أَنَّ لَهُ فِي جَمْعِ ذَلِكَ رَاحَةً وَ إِنَّمَا يَسُوقُهُ إِلَى التَّعَبِ فِي الدُّنْيَا وَ الْحِسَابُ عَلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ. ثُمَّ قَالَ عليه السلام: كَلَّا مَا تَعِبَ أَوْلِيَاءُ الله فِي الدُّنْيَا لِلدُّنْيَا بَلْ تَعِبُوا فِي الدُّنْيَا لِلْآخِرَةِ] [١].
[٧] وشتان بين لقاء المؤمن ربه وغيره. إن المؤمن يلقى ربه ليستلم جائزته بيمينه فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ.
[٨] يأخذه بفرح بالغ. لقد انتهى الكدح وإلى الأبد. إنها ولادة جديدة، ومستقبل زاهر. فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً فالحساب لا بد منه لكل إنسان إلا عدد محدود من الصدِّيقين والصابرين، بيد أن حساب أصحاب اليمين يسير، فإذا مروا بحسناتهم قبلت. وإذا وجدوا بينها هفوات غفرت، ولكن الحساب العسير يعني عدم قبول حسناتهم، وعدم التجاوز عن سيئاتهم. وفي الخبر المأثور عن رسول الله صلى الله عليه واله
[ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ حَاسَبَهُ اللهُ حِسَاباً يَسِيراً وَ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِهِ.
قَالُوا: وَمَا هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ
تُعْطِي مَنْ حَرَمَكَ، وَتَصِلُ مَنْ قَطَعَكَ،
[١] بحار الأنوار: ج ٧٠، ص ٩٢.