من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٧٩ - وما أدراك ما ليلة القدر
بلى، إذا فما الذي يتنزل به الملائكة في ليلة القدر؟ يبدو أن التقديرات الحكيمة قد تمت في شؤون الخلق، ولكن بقيت أمور لم تحسم وهي تقدر في كل ليلة قدر لأيام عام واحد، فيكون التقدير خاصا ببعض جوانب الأمور، وليس كل جوانبها، بلى، تشمل التقديرات جميع الأمور، ولكن من كل أمر جانبا، وهكذا يكون حرف مِنْ للتبعيض وهو معناه الأصلي، وهو أيضا ما يستفاد من النصوص المأثورة في هذا الحقل: [سَأَلَ سُلَيمَان المرُوزِي الإمَام الرِضَا عليه السلام أَلَا تُخْبِرُنِي عَن إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ فِي أَيِّ شَيْءٍ أُنْزِلَتْ؟. قَالَ عليه السلام
يَا سُلَيْمَانُ لَيْلَةُ الْقَدْرِ يُقَدِّرُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهَا مَا يَكُونُ مِنَ السَّنَةِ إِلَى السَّنَةِ مِنْ حَيَاةٍ أَوْ مَوْتٍ أَوْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ أَوْ رِزْقٍ فَمَا قَدَّرَهُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ فَهُوَ مِنَ الْمَحْتُوم] [١].
وهكذا تختلف بصائر الوحي عن تصورات البشر، فبينما يزعم الإنسان أنه مجبور لا أثر لمشيئته في حياته يعطيه الوحي قيمة سامية، حيث يجعله قادرا على تغيير مجمل حياته: من سعادة وشقاء، وخير وشر، ونفع وضر، كل ذلك بإذن الله، وعبر الدعاء إلى الله في ليلة القدر.
إن البشرية في ضلال بعيد عن حقيقة المشيئة، فهم بين من ظن أنه صاحب القرار، وقد فوض الله الأمور إليه تفويضا مطلقا، فلا ثواب ولا عقاب ولا مسؤولية ولا أخلاق، وبين من زعم أنه مضطر تسوقه الأقدار بلا حرية منه ولا اختيار. ولكن الحق هو أمر بين أمرين: فلا جبر لأننا نعلم يقينا أن قرارنا يؤثر في حياتنا، أولست تأكل وتشرب وتروح وتأتي حسب مشيئتك وقرارك؟ وكذلك لا تفويض لأن هناك أشياء كثيرة لا صنع لنا فيها: كيف ولدت، وأين تموت، وماذا تفعل غدا، وكم حال القضاء بينك وبين ما كنت تتمناه، وكم حجزك القدر عن خططك التي عقدت العزمات على تطبيقها؟ بلى، إن الله منح الإنسان قدرا من المشيئة لكي يكون مصيره بيده، إما إلى الجنة وإما إلى النار، ولكن ذلك لا يعني أنه سيدخل الجنة بقوته الذاتية أو النار بأقدامه، وإنما الله سبحانه هو الذي يدخله الجنة بأفعاله الصالحة، أو يدخله النار بأفعاله الطالحة. إذا الإنسان يختار، ولكن الله سبحانه هو الذي يحقق ما أختاره من سعادة وشقاء، وإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وها هنا تتركز أهمية الدعاء وبالذات في ليلة القدر التي هي ربيع الدعاء، وقد تتغير حياة الإنسان في تلك الليلة تماما، فكم يكون الإنسان محروما وشقيا إن مرت عليه هذه الليلة دون أن يستفيد منها شيئا.
ويتساءل البعض: أليس هذا يعني الجبر بذاته؟ فإذا كانت ليلة تحدد مصير الإنسان فلماذا العزم والسعي والاجتهاد في سائر أيام السنة؟! كلا .. ليس هذا من الجبر في شيء، ونعرف ذلك جيدا إذا وعينا البصائر التالية
[١] بحار الأنوار: ج ٤ ص ٩٥، تفسير القمي: ج ١ ص ٣٦٦.