من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٩٠ - أولئك هم خير البرية
بسيطة وبينة بضرورة الرسالة الإلهية، فمن دون رسالة الإسلام هل كان من الممكن إزالة تلك الحجب الكثيفة التي تراكمت عبر عصور الظلمات فوق بعضها، ومنعت إنارة العقل وهدى الفطرة، وحرفت تعاليم الدين، ومسخت شخصية الإنسان. كلا .. لأن الفساد كان قد أطبق على البشرية، فلم يعد أحد بقادر على مقاومته بسهولة، فبعث الله النبي برسالة طاهرة من دنس ضلالاتهم وخبث ثقافتهم.
[٢] لقد تنازع خطان قيادة الإنسان عبر العصور: خط الوحي المتمثل في أنبياء الله عليهم السلام والمؤمنون بهم، وخط الجاهلية المتمثلة في الطغاة والمترفين، وثقافة الخط الأول كانت نابعة من الوحي، بينما ثقافة الجاهلية قائمة على أساس الضلالة.
وكلما انحسر الوحي أو ضعف دعاته استشرت الجاهلية، وكانت المشكلة العاتية عندما يستسلم المؤمنون بالوحي تحت ضغط الجاهلية، كما حدث قبيل بعثة النبي إذ لم يعد أتباع آخر الأنبياء عيسى عليه السلام يشكلون قوة تذكر، لا بسبب قلة عددهم بل لأنهم بايعوا القياصرة في حقل السلطة، واتبعوا الفلاسفة في الحقل الثقافي، وداهنوا المترفين والمستكبرين في المجتمع، ولم يبق من الدين عندهم إلا طقوس فارغة، فبدل أن يناهضوا سلطات الجور، ويدافعوا عن المظلومين والمحرومين إلتهوا بمحاربة بعضهم، وخلق عداوات جانبية بين مذهب ومذهب. حقا .. أصبحوا كما كانت اليهود من قبل، وتفشت فيهم ذات الأخلاق الفاسدة التي بعث عيسى بن مريم عليه السلام لإصلاحها، وكذلك في حقل الثقافة، فلم يدافعوا عن قيم الوحي في مقابل مفاهيم الفلسفة الضالة، بل تراهم يلهثون وراء التوفيق بينهما، حتى ولو كان ذلك على حساب صفاء الوحي ونقائه. أرأيت كيف ذهبوا إلى فكرة التثليث اتباعا للأفلاطونية الجديدة. ومن هنا أصبحت الرسالة الإلهية أشد ضرورة من أي وقت مضى، ليس فقط لإصلاح البشرية من الفساد العريض الذي أحاط بها، وإنما أيضا لتطهير الرسالة مما لحق بها من زيغ وانحراف على أيدي أهل الكتاب الكافرين، ولإضاءة تلك المشاعل التي انطفأت أو كادت بسبب عصف الشهوات العاتية، فلم تعد تنير طريق السالكين، ولكي يكون للناس على الله حجة بعد الرسل.
وهكذا بعث الله رسوله الخاتم بصحف طاهرة من دنس الانحرافات الثقافية التي حرفت الديانات، وطاهرة من تأثير الحكام الظلمة والمترفين الأشقياء. رَسُولٌ مِنْ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً وهكذا تتم البينة بالرسالة والرسول معا، إذ الرسول يدعو إليها بحكمة، ويمثلها في سلوكه لتتجلى للناس روعتها، ويدافع عنها بصبر واستقامة، ثم إن الرسالة التي يحملها مطهرة من شوائب الزيغ والانحراف، فتتقبلها الفطرة السليمة، والعقل الرشيد.
[٣] ماذا نقرأ في تلك الأوراق الطاهرة؟ نقرأ كتباً أحكمت آياتها وفصلت، لا تجد فيها