من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٤٤ - ألم نشرح لك صدرك
وإلا فهم بشر كسائر البشر لولا رحمة الله.
وقد شرح الله صدر النبي بالإيمان، وشرحه باليقين، وشرحه بالرسالة، حتى جعله يتحمل ما تشفق الجبال من حمله، حتى واجه ذلك المجتمع الجاهلي الفظ الجافي الحاد العنيف بتلك الأخلاق الحميدة التي نعتها الله جل ثناؤه بالقول وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم: ٤]. لقد وسع قلبه لما مضى من الزمان ولما قد يأتي، وهيمن بقلبه الكبير عليهما جميعا، ولا يزال الزمن يتقدم ويتطور ورسوله الله يقوده وحتى قيام الساعة. ولقد شرح الله صدر الرسول بأولئك الصفوة من أصحابه الذين حملوا رسالته، وتابعوا مسيرته وفي طليعتهم ابن عمه الإمام علي عليه السلام الذي كان منه بمنزلة هارون من موسى- حسب الحديث المتفق عليه- أولم يؤيد الله كليمه موسى عليه السلام بأخيه هارون، وكان استجابة لدعائه، حيث قال رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي [طه: ٢٥] إلى قوله وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي [طه: ٢٨- ٢٩].
[٢] حينما يشرح الله القلب بالإيمان فإنه يتسع للمشاكل والصعاب، ويقدر على مواجهة أعتى التحديات، أوتدري كيف؟ لأن القلب يومئذ يضحى طاهرا من وساوس الشيطان، نقيا من رواسب الشرك، بعيدا عن أغلال التبرير والخداع الذاتي، سليماً من البغضاء والضغائن والحسد والظنون والتمنيات، وآنئذ يكون صاحبه خفيف المؤونة، نشيط التحرك، كما لو نشط من عقال، ولعل القرآن يشير إلى ذلك بقوله وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ لأن الوزر هو الحمل الثقيل، ووضع الحمل رفعه، فأي حمل أشد ثقلا من حب الدنيا، والخوف من أهلها، والتثاقل إلى الأرض؟ ونجد تأييد ذلك في الحديث المأثور عن النبي صلى الله عليه واله حيث سُئل رسول الله صلى الله عليه واله عن قوله سبحانه فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فقال
[إِذَا دَخَلَ النُّورُ الْقَلْبَ انْفَسَح فَذَلِكَ شَرْحُ الصدرِ فَقِيلَ: أَفَلِذَلِكَ عَلامَة يُعْرَفُ بِهَا قَالَ: نَعَم الْإِنَابَةُ إِلَى دَارِ الْخُلُودِ وَ التَّجَافِي عَنْ دَارِ الْغُرُورِ وَ الِاسْتِعْدَادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِه]
[١]. فإذا كان شرح الصدر- في حسب هذا الحديث- يتم بالتجافي عن الدنيا، فإن وضع الوزر يكون أحد مظاهره، كما نجد تصديق ذلك في قوله سبحانه صفة الرسول وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ [الأعراف: ١٥٧]. والإصر هو الحمل الثقيل، وقد فسرت بالشرك والخرافات، كما أن أحد معاني الأغلال: القيود النفسية التي تمنع التحرك. وقد تم كل ذلك بالوحي المتمثل في الكتاب، وأي مؤمن ليستفيد منه نصيبا عندما يتلوه حق تلاوته، فينشرح به صدره ويتخفف عن وزره وأثقاله.
[٣] وأي وزر عظيم هو ضيق النفس وحرج القلب؟! إنه ينقض ظهر صاحبه، وبالذات
[١] بحار الأنوار: ج ٦٥، ص ٢٣٦.