من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٧٤ - هل أتاك حديث الغاشية؟
إنها من أصعب الحيوانات مراسا وقدرة على تحمل المشاق. إنها تحمل أثقالا عظيمة، وتخوض غمار البراري القفر، وتصبر أياما عديدة ربما بلغت أسبوعا أو عشرة أيام بلا زاد ولا شراب وتتحدى الأعاصير الرملية بما خلق فيها من قدرة ومن أهداب لمقاومتها! إن أرجلها المفلطحة تستطيع أن تطفو على الرمال الرخوة حتى سميت بسفينة الصحراء. ثم تراها تقتات الأشواك الحادة، وتختزنها لحين اجترارها في الوقت المناسب، كما تختزن الماء لفترات طويلة. من الذي خلقها بهذه الطريقة العجيبة؟ ومع ضخامة جثتها، وعظم قدرتها، تراها خاضعة للإنسان الضعيف أليفة وديعة، حتى حكيت قصة الفارة التي سحبت حبل بعير، فتبعها ظنا منه أنها صاحبه. وإذا قارنت الإبل بما يشابهها من الحيوانات كالفيل ووحيد القرن لرأيت الإبل أعظم منفعة وأقل مؤونة فإن الفيل مثلا لا يؤكل لحمه، ولايشرب لبنه.
وننقل هنا بعضاً مما قاله الدكتور أحمد زكي حين تحدث عن الجمل: [ومن تصاميم الخلق مواءمة بين حيوان وبيئته أن حمل الجمل على ظهره سناما، هو من عضل وشحم، وهو يزداد لحما وشحما على الغذاء عندما يكثر ويطيب، حتى إذا خرج الجمل إلى سفر وعزه الغذاء وكاد ينذره الجوع بالفناء وجد الجسم فيما حمل من شحم في سنامه غذاء يطول به العيش أياما. ومن زاد الصحراء الماء، ولعله أول زاد، وفي جسم الجمل من الاحتياط ما يحفظ به عليه الماء، من ذلك أنه لا يعرف أو لا يكاد، ومن ذلك أن أنفه متصل بفمه، والفم يحبس ما يخرج مع هواء التنفس من ماء .. وقد يبلغ ما يشربه به الجمل ستين لترا من الماء! أفليس بمعدته خزائن ثلاث؟.
ويضيف: وما كان لغير الجمل من الحيوانات أن يقطع الصحاري، وتهيأ الجمل لذلك بخفه، فهو لا يغرز في الرمل، وتغرز الحوافر في حمر وخيل. وتهيأ الجمل بقوائمه الطويلة القوية، فيه صلبة صلدة تحمل جسدا ضخما فوقه سنام. وأعان ارتفاع قوائم الجمل على تخطي ما يعترضه في الصحراء من أرض قليلة الاستواء. وعينا الجمل عليهما رموش ثقيلة، وهي لمنع الرمال أن تدخل إلى عينيه عندما يغمضها، وأذنا الجمل كثيرة الشعر، ولعل هذا لمنع دخول الرمل فيهما، وأنف الجمل إنما هو شقان ضيقان، يسهل إغلاقهما عند الحاجة، والجمل يغلقهما حبسا للرمل أن يدخلهما .. كل شيء في خلق الجمل يهدف إلى الرمل يتوقاه، من الخف إلى الرأس] [١].
فسبحان الله الذي خلق الإبل، وتبا لمن نظر إليها ولم يعتبر.
[١٨] حين نقرأ آيات الذكر يخيل إلينا أنها ترسم لوحة فنية، فإذا ذكرت الإبل تذكر بعدها السماء ثم الجبال فالأرض حتى تكتمل الصورة، بلى، هكذا كتاب ربنا يصف الحقائق
[١] في سبيل موسوعة علمية، أحمد زكي، دار الشروق القاهرة، ط: ١، عام ١٩٧١ م.