من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٧٦ - هل أتاك حديث الغاشية؟
[٢٣] بلى، الكفار الذي يقاومون الرسالة، إنهم يتعرضون لسخط الله وعذاب عباده المؤمنين، لأنهم يسيئون التصرف في الحرية الممنوحة لهم. إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ وقد اختلف المفسرون في معنى الآية، ولكن يبدو أن سائر آيات القرآن تفسر هذه الآية حيث إن من تولى عن الحق وكفر به، ومخالف الرسول الذي يناصبه العداء، يجاهد حتى يعود إلى رشده، وهذا ما نقرؤه بتفصيل في آيات الجهاد وفي سورة الممتحنة بالذات. وقد روي عن الإمام علي عليه السلام: [أَنَّهُ جِيءَ إِليهِ بِرَجُلٍ ارْتَدَّ فَاسْتَتابَهُ ثَلاثَة أَيامٍ فَلَمْ يُعَاود الإِسْلام فَضربَ عُنُقه، وَقَرَأَ إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ] [١].
[٢٤] أولئك الكفار المنابذون العداء للرسالة يجاهدهم المسلمون فيعذبهم الله في الدنيا بأيديهم ثم يعذبهم في الآخرة العذاب الأكبر. فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الأَكْبَرَ.
[٢٥] وفي نهاية السورة يذكرنا ربنا بالمصير إليه، وكيف لا يستطيع أن يهرب أحد من مسؤولية أعماله. إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ أي عودتهم.
[٢٦] ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ يحاسبهم جميعا كما رزقهم في الدنيا على كثرتهم، فطوبى لمن حاسب نفسه هنا قبل أن يحاسب هناك، وتاب إلى الله من ذنوبه قبل أن يجازى بها. جاء في الحديث المأثور عن الإمام الرضا عليه السلام
[إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أُوقِفَ الْمُؤْمِنُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَيَكُونُ هُوَ الَّذِي يَلِي حِسَابَهُ فَيَعْرِضُ عَلَيْهِ عَمَلَهُ فَيَنْظُرُ فِي صَحِيفَتِهِ فَأَوَّلُ مَا يَرَى سَيِّئَاتُهُ فَيَتَغَيَّرُ لِذَلِكَ لَوْنُهُ وتَرْعَشُ فَرَائِصُهُ وَتَفْزَعُ نَفْسُهُ ثُمَّ يَرَى حَسَنَاتِهِ فَتَقَرُّ عَيْنُهُ وَتُسَرُّ نَفْسُهُ وَيَفْرَحُ ثُمَّ يَنْظُرُ إِلَى مَا أَعْطَاهُ اللهُ تَعَالَى مِنَ الثَّوَابِ فَيَشْتَدُّ فَرَحُه، ثُمَّ يَقُولُ اللهُ لِلْمَلَائِكَةِ هَلُمُّوا الصُّحُفَ الَّتِي فِيهَا الْأَعْمَالُ الَّتِي لَمْ يَعْمَلُوهَا قَالَ فَيَقْرَءُونَهَا فَيَقُولُونَ وعِزَّتِكَ إِنَّكَ لَتَعْلَمُ أَنَّا لَمْ نَعْمَلْ مِنْهَا شَيْئاً فَيَقُولُ صَدَقْتُمْ نَوَيْتُمُوهَا فَكَتَبْنَاهَا لَكُمْ ثُمَّ يُثَابُونَ عَلَيْهَا] [٢].
أفليس هذا هو المصير الأفضل، فلماذا الغفلة؟!.
[١] تفسير القرطبي: ج ٢٠، ص ٣٧.
[٢] بحار الأنوار: ج ٧، ص ٢٨٩.