من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٥٦ - سبح اسم ربك الأعلى
وقد فصّل المفسّرون القول في هذه الكلمة، و ذهب بعضهم مذاهب بعيدة حيث أنّه قال: إنّ المراد بما شاء الله نسيانه هو ما نسخ من الكتاب نصّا وبقي حكمه أو طال النسخ الحكم والنص (التلاوة). و لكنّ الآية لا تدلّ عليه، و لم يثبت تاريخيّا- بصورة يطمئن القلب- أنّ في القرآن آية منسوخة (بهذا المعنى من النسخ [١])، بل وسياق آيات القرآن وهذه الآية بالذات ينفي ذلك تماماً. كيف؟.
يلاحظ على هذا النسخ (نسخ التلاوة وبقاء الحكم، نسخهما معا)
أولًا: أنّ ما ذكر من الروايات في هذا المضمار أخبار آحاد لا يثبت به كون الآية قرآنية باقية حكمها منسوخة تلاوتها، أو أن النسخ طال الاثنين.
وقد أجمع المسلمون على أنّ النسخ لا يثبت بخبر الواحد، كما أنّ القرآن لا يثبت به. وذلك لأنّ الأُمور الجليلة التي هي محط اهتمام الناس لا تثبت بخبر الواحد، فإنّ اختصاص نقلها ببعض دون بعض بنفسه دليل على ضعف الحديث.
ثانياً: ما معنى هيمنة الكتاب على ما سواه بما في ذلك السنة!. فأخبار العرض على
[١] المعروف أن النسخ ثلاثة أقسام نوجزها بما يلي
الأول: نسخ التلاوة دون الحكم: ويقصد بهذا النسخ أن تكون هناك آية قرآنية نزلت على الرسول صلى الله عليه واله، ثم نسخت تلاوتها ونصها اللفظي مع الاحتفاظ بما تضمنه من أحكام. ومثلوا له برواية عن عمر بن الخطاب وأُبي بن كعب، انّهما قالا: [وكان فيما أنزل من القرآن الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة].) رواه أبو داود في الحدود: ص ١٦، وابن ماجة في الحدود: ص ٩، ومالك في الحدود: ص ١٠ وأحمد بن حنبل في مسنده: ج ٥، ص ١٨٣).
وهذه الآية- المزعومة- لم يعد لها وجود بين دفّتي المصحف ولا على ألسنة القرّاء مع أنّ حكمها باق على أحكامه لم ينسخ.
الثاني: نسخ التلاوة والحكم معاً: وينسخ تلاوة الآية ومضمونها. ومثلوا له بمروية عن عائشة انّها قالت: [كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرّمن، ثمّ نسخن بخمس معلومات، فتوفّي رسول اللّه صلى الله عليه واله وهن فيما يقرأ من القرآن]. (صحيح مسلم: ج ٤، ص ١٦٧).
الثالث: نسخ الحكم وبقاء التلاوة: وهو القدر المتيقّن من النسخ، وتسالم على جوازه علماء الإسلام، والمراد منه بقاء الآية ثابتة في الكتاب مقروءة عبْر العصور سوى أنّ مضمونها قد نسخ، فلا يجوز العمل به بعد مجيء الناسخ.
وأمّا عدد الآيات التي ورد عليها النسخ فهناك قولان بين الإفراط والتفريط. فأنهاها أبو جعفر النحاس (المتوفّى عام ٣٣٨ ه) إلى ١٨٠ آية في كتابه (الناسخ والمنسوخ) المطبوع، كما أنكر بعض المحققين أصل النسخ في القرآن الكريم خصوصاً بمعنى أن المنسوخ كان قرآنا لأنه يرجع للإبطال. والمعروف هو وجود النسخ في القرآن الكريم بمقدار ضئيل للغاية، منها آية النجوى، وآية التربّص إلى الحول ومثل ذلك الذي لا يرجع إلى الإبطال.