من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٥٦ - ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل
الكعبة، وتصفية آثار الحنفية الإبراهيمية، وتوجيه العرب إلى بيت جديد كان أبرهة قد بناه في اليمن.
ولكن السؤال: كيف أضل الله كيدهم؟ هل بفعل طير الأبابيل فقط أم بأمر آخر؟! يبدو أن الآية تشير إلى حادثة أخرى لم يذكرها المفسرون، ولعلهم ابتلوا بأمراض فتاكة كالجدري، أو وقعت بينهم الفتنة، أو ضلوا السبل أو ما أشبه، أو أصيب فيلهم بعاهة بسبب اختلاف المناخ، وقد أشارت الروايات التاريخية إلى بعض هذه القضايا.
[٣] ولا ريب أن أخطر ما أصابهم وقضى على حملتهم، كانت الطير التي قدمت عليهم- حسب التاريخ- من ناحية البحر لم تعرفها المنطقة، فرمتهم بحجارة قاتلة. وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ لم تخطئهم الطير بل اتجهت مباشرة إليهم، وكانت تتلاحق عليهم أسراباً فأسرابا، وهذا ما فسرت به كلمة أبابيل، قالوا: تعني مجتمعة، وقيل: متتابعة، وقيل: متفرقة، تأتي من كل ناحية، وأصل الكلمة من قولهم: فلان يؤبل على فلان أي يعظم عليه ويكثر، واشتقاقها من الإبل.
[٤] بعد أن انتشرت فوقهم الطير كسحابة سوداء، أخذت تمطرهم بحجارة قاتلة، قالوا: كان كل طير يحمل ثلاث أحجار: واحدة في منقاره واثنتان بين أرجلها، وكانت الحجارة إذا أصابت جانبا من أبدانهم فرقته وخرجت من الطرف الآخر، فإذا أصابت بيضة الرأس اخترقت الدماغ وخرجت من الدبر، وقال بعضهم، إذا أصاب الحجر أحدهم خرج منه الجدري لم ير قبل ذلك، وقال ابن عباس: كان الحجر إذا وقع على أحدهم نفط جلده، فكان ذلك أول الجدري.
تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ قالوا: الحجارة من طين، طبخت بنار جهنم، وقال بعضهم: السجيل: أصله السجين، وأبدلت النون لاماً، ولا يبعد لك إذا كانت الكلمة معربة للتساهل فيما عربت من الكلمات، وقال بعضهم، بل السجيل من السجل حيث كتب عليهم ذلك، والأول أقرب. ولعل الحجارة كانت مسمومة أو تحمل جراثيم أمراض فتاكة كالجدري، حسب ما نقرأ في التفاسير كما جاء في حديث مأثور عن الإمام الباقر عليه السلام عن قوم كانوا يقطعون السبيل، ويأتون المنكر
[مَعَ كُلِّ طَيْرٍ ثَلَاثَةُ أَحْجَارٍ حَجَرَانِ فِي مَخَالِبِهِ وَحَجَرٌ فِي مِنْقَارِهِ فَجَعَلَتْ تَرْمِيهِمْ بِهَا حَتَّى جُدِّرَتْ أَجْسَادُهُمْ فَقَتَلَهُمُ الله تَعَالَى بِهَا وَمَا كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ رَأَوْا شَيْئاً مِنْ ذَلِكَ الطَّيْرِ وَلَا شَيْئاً مِنَ الجُدَرِي][١].
[١] بحار الأنوار: ج ١٥، ص ١٤٢.