من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١١٢ - إنك كادح لربك كدحا فملاقيه
عُنُقِهِ، ثُمَّ حَضَرَا مَعَهُ: وَاحِدٌ سَائِقٌ وَالآخَرُ شَهِيْدٌ، ثُمَّ قَالَ اللهُ- عَزَّ وَجَلَّ-
لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [ق: ٢٢].
قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه واله لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ قَالَ
حَالًا بَعْدَ حَالٍ.
ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه واله
[إِنَّ قُدَّامَكُمْ أَمْراً عَظِيْماً فَاسْتَعِيْنُوا بِاللهِ العَظِيْمِ] [١].
وإذا تأملنا سياق سورة الانشقاق وتدبرنا آية الكدح فيها، ولاحظنا هذه الرواية أيضا تبين لنا أن الجملة الأخيرة في هذه الرواية هي العبرة التي ينبغي أن نعيها من السورة، ذلك أن عدو الإنسان هو حالة اللهو واللعب التي تنزع إليها نفسه، فتسول له العبثية والغفلة أو الهروب من مواجهة الحقائق؛ وإنما ينساق البشر إلى هذه الحالات بسبب غفلته عن نفسه وعما يراد بها، وعن الأخطاء التي تنتظره. أفلا يفكر هذا المسكين أن الظلام يلف الضياء، ويتسق القمر في السماء بدل قرص الشمس، وأن التحول سنة يخضع لها كل شيء، فهل يبقى بعيدا عنها؟ وإذا لم نعتبر بالطبيعة حولنا أفلا نعتبر بتاريخنا الحافل بالتطورات، فهذه الأمم كيف دار بها الزمن دورته ولعبت بها رياح التغيير طبقا عن طبق، وحالا من بعد حال إننا أيضا سائرون في الدرب ذاته، وعلى هذا جاء في تأويل هذه الآية حديث مأثور عن رسول الله صلى الله عليه واله أنه قال
[لتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْراً بِشِبْرٍ، وَذِرَاعاً بِذِرَاعٍ، لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ اليَهُودُ وَالنَّصَارَى؟! قَالَ: فَمَنْ؟]
[٢]. وفي حديث عن أبي جعفر عليهما السلام رواه أبو الجارود، في قوله تعالى وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ
وَهِيَ النَّقِمَةُ،
أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دَارِهِمْ
فَتَحِلُّ بِقَوْمٍ غَيْرِهِمْ فَيَرَوْنَ ذَلِكَ وَيَسْمَعُونَ بِهِ، والَّذِيْنَ حَلَّتْ بِهِمْ عُصَاةٌ كُفَّارٌ مِثْلُهُمْ، وَلَا يَتَّعِظُ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ وَلَنْ يَزَالُوا كَذَلِكَ
حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ
الَّذِي وَعَدَ المُؤْمِنِينَ مِنَ النَّصْرِ وَيُخْزِي الكَافِرِيْنَ] [٣]
. وهكذا ينبغي للإنسان أن يعي آيات الطبيعة وعبر التاريخ، ثم ينظر إلى نفسه عبرهما حتى يعرف قدرها، ولا يضيع فرصتها بالغفلة واللهو والانشغال بالتوافه.
[٢٠] عن محمد بن يعقوب الكليني بإسناده ... [أَنَّ ابْنَ أَبِي الْعَوْجَاءِ حِينَ كَلَّمَهُ أَبُو عَبْدِالله عليه السلام عَادَ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي فَجَلَسَ وَهُوَ سَاكِتٌ لَا يَنْطِقُ، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ الله عليه السلام
كَأَنَّكَ جِئْتَ تُعِيدُ بَعْضَ مَا كُنَّا فِيهِ؟!.
فَقَالَ: أَرَدْتُ ذَاكَ يَا ابْنَ رَسُولِ الله، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ الله عليه السلام
مَا أَعْجَبَ هَذَا تُنْكِرُ الله وَتَشْهَدُ أَنِّي ابْنُ رَسُولِ الله!.
فَقَالَ: الْعَادَةُ تَحْمِلُنِي عَلَى ذَلِكَ،
[١] تفسير القرطبي: ج ١٦ ص ٢٧٩- ٢٧٨.
[٢] المصدر السابق: ص ٢٧٩.
[٣] بحار الأنوار: ج ٦، ص ٥٥، تفسير القمي: ج ١، ص ٣٦٥.