من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٥٥ - سبح اسم ربك الأعلى
الله، ومن كان الله ضامنا له كيف ينسى؟! إنها حقيقة العصمة كما يفهمها أهل البصائر، أن يقي الله عبدا من عوامل الانحراف ومزالق الضعف ومراكز الهوى والشهوات.
[٧] ولكي لا يزعم البسطاء من الناس أن الرسول يصبح بالرسالة إلها أو نصف إله لم يدع كتاب الله هذه التذكرة .. في أغلب ما حدثنا عن رسله الكرام أنه إما بين نقاط ضعفهم التي يجبرها الله بعصمته أو حالتهم البشرية أو أن لله المشيئة في أمرهم حتى عند وعده إياهم، فلا يقدر أحد أن يحتم عليهم أمرا، بلى، إن الله صادق الوعد ولن يخلف وعده أبدا، ولكن فرق واسع بين أن يكون كذلك وأن يحتم عليه أحد من خارج إطار فضله ورحمته ومشيئته شيئا. هكذا نستوحي من الآية الكريمة هذه التذكرة. إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ كما قال ربنا سبحانه في قصة النبي شعيب عليه السلام* قَالَ الْمَلأ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (٨٨) قَدْ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ [الأعراف: ٨٨- ٨٩]. فهل يشاء الله أن يعود المؤمنون إلى ملة الكفر؟ وكما قال ربنا سبحانه في أصحاب الجنة* وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتْ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ [هود: ١٠٨] فالخلود ينفي الخروج منها، فالمشيئة إذن لإلفات النظر إلى بقاء المشيئة والسلطنة.
ويتساءل القارئ: إذا ما هي علاقة علم الله بالسر والعلن بهذا الاستثناء؟ حيث يقول ربنا إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى والجواب: إننا نجد مثل هذه العلاقة في آية الأعراف في قصة شعيب إذ أنه قال إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً [الأعراف: ٨٩]، ذلك أن من بيده المشيئة والقدرة على الاستثناء هو العليم الذي لا ينسى، وهو الذي يحفظ النبي من النسيان، حسب حكمته البالغة، وحيث إن جملة يَعْلَمُ .. في سياق التعليل، وأن المشيئة والعلم اقترنا في الآيتين فكأن مفاد الآية: فلا تنسى بلطفٍ من الله وهو تعالى لطيف لما يشاء وهو تعالى غالب على أمره وبالغه، وهو العالم بما يعتري الإنسان من أسباب النسيان وعوامله فيدفعها عنه ويحفظه منها، وإن كان ثمة مشيئة من الله بخلاف هذا فستكون من قبيل وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا [الإسراء: ٨٦]. ولعل هذه الكلمة تتصل بقوله سَنُقْرِئُكَ فهو يقرئ ما يشاء لأنه عالم الجهر وما يخفى، فالعلم الإلهي بالخليقة هو ضمانة أن الإقراء سيكون وافياً وحكيماً. والمشيئة الإلهية في الاستثناء إنما هو فيما هو مختص به تعالى من غيوب فلا يُطلِع عليه أحد.