من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٦ - قلوب يومئذ واجفة
[٢٠] وطالب فرعون موسى بالآية، لعله يتهرب عن الهداية عندما لا يأتيه بها لحكمة بالغة، ولكن الله أظهر له الآية على يد نبيه إتماما لحجته فَأَرَاهُ الآيَةَ الْكُبْرَى متمثلة في العصا واليد البيضاء.
[٢١] وإذا نزلت الآية الواضحة ثم كفر المرء فإن العقوبة تُعجَّل له، لأن الكفر آنئذ يكون تحديًّا صارخاً لسلطان الرب، ولعله يكون أيضاً سبباً لضلالة سائر الناس، وهكذا تتابعت حلقات النهاية فَكَذَّبَ وَعَصَى كذب بالآية، وعصى الرب تعالى حين عصى موسى نبيه عليه السلام.
[٢٢] وتمادى في التكذيب والعصيان حين راح يسعى في الأرض فسادا ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى.
[٢٣] وأخذ يضلل الناس، ويجند الضالين ضد رسالة الله فَحَشَرَ فَنَادَى أي جمع الناس ونادى فيهم بضلالاته.
[٢٤] وأعظم تلك الضلالات دعوته بأنه الرب الأعلى، واستكباره في الأرض، وفرض قانونه الوضعي على الناس في مقابل شريعة الله سبحانه. روي عن أبي جعفر (الباقر) عليه السلام أنه قال: قَالَ جَبْرَئِيلُ عليه السلام
[نَازَلْتُ رَبِّي في فِرْعَونَ مُنَازَلَةً شَدِيْداً فَقُلْتُ: يَا رَبِّ تَدَعُهُ وَقَدْ قَالَ
أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى
؟ فَقَالَ: إِنَّمَا يَقُولُ هَذَا عَبْدٌ مِثْلُكَ]
[١]، وفي رواية أخرى قال ربنا
[إِنِّمَا يَقُولُ هَذَا مِثْلُكَ مَنْ يَخَافُ الفَوْتَ]
[٢]. أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى جاء عن ابن عباس [أن جبرئيل قال لرسول الله: لو رأيتني وفرعون يدعو بكلمة الإخلاص آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ [يونس: ٩٠]، وأنا دفنته في الماء والطين لشدة غضبي عليه مخافة أن يتوب فيتوب الله عليه، قال له رسول الله
وَمَا كَانَ شِدَّةِ غَضَبِكَ عَلَيْهِ يَا جِبْرَائِيْلَ؟
قال لقوله أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى وهي الكلمة الآخرة منه، وإنما قال حين انتهى إلى البحر، وكلمة مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي [القصص: ٣٨]، فكان بين الأولى والآخرة أربعين سنة، وإنما قال ذلك لقومه أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى حين انتهى إلى البحر فرآه قد يبس فيه الطريق فقال لقومه: ترون البحر قد يبس من فرقي فصدقوه لما رأوا ذلك فذلك قوله وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى [طه: ٧٩]] [٣].
[١] بحارالأنوار: ج ١٣، ص ١٢٨.
[٢] المصدر السابق: ص ١٢٩.
[٣] سعد السعود: علي بن طاووس الحلي: ص ٢١٨.