من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢١ - إنما أنت منذر من يخشاها
[٣٣] كل ذلك لكي تتوافر فرص الحياة للإنسان والبهائم التي تخدم الإنسان بصورة مباشرة أو غير مباشرة مَتَاعاً لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ أوَليس كل ذلك دليلا على أن لوجودنا حكمة بالغة، فلماذا ننكر المسؤولية؟.
[٣٤] إن للكفر بيوم المعاد سببًا نفسيًّا هو التمادي في الغفلة، والقرآن يخرق بآياته الصاعقة حجب الغفلة لمن تدبر فيها. فَإِذَا جَاءَتْ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى فأي شيء ينقذنا من تلك الطامة؟ هل الغفلة تبرر عدم الإعداد لها؟ والطامة من الطم بمعنى ردم الفجوة، وتسمى المآسي المروعة بها لأنها تملا النفس رعبا أو لأنها قد بلغت منتهى المأساة. والقرآن يضيف كلمة الْكُبْرَى لعلنا نتصور تلك الساعة التي ثقلت في السماوات والأرض ونحن عنها غافلون.
[٣٥] في ذلك اليوم يمر شريط أعمال المرء أمام عينيه. أوليس يرى جزاء كل صغيرة وكبيرة من أعماله؟ أولا يقرؤها في طائره الذي عُلِّق في رقبته، فلا أحد يستطيع التكذيب أو الفرار من مغبة أعماله؟ يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ مَا سَعَى وفي يوم القيامة تتساقط الحجب من عين الإنسان وعقله فإذا هو يتذكر وباستمرار كل مساعيه.
[٣٦] كما أن الجحيم التي هي معتقل الطغاة والمجرمين تبرز أمام الجميع بما فيها من نيران تكاد تتميز من الغيظ، ومن عقارب وحيات تتربص بالقادمين، ومن شياطين وعفاريت ينتظرون الفتك بقرنائهم. وَبُرِّزَتْ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى فكل ذي عين بصيرة يرى الجحيم بلا حجاب، فيكون المذنبون في حسرة عظمى وخوف لا يوصف.
[٣٧] هنالك الجزاء الأوفى للطغاة، الذين كفروا بالنشور، واغرقوا في شهوات الدنيا، ولم يخافوا ربهم. فَأَمَّا مَنْ طَغَى وأعظم الطغيان مخالفة القيادة الشرعية، فقد جاء في الحديث المأثور عن الإمام علي عليه السلام
[ومَنْ طَغَى ضَلَّ عَلَى عَمْدٍ بِلَا حُجَّةٍ]
[١]. وإنما تطغى النفس باتباع الهوى لأنه يصد الإنسان عن الحق، قال الإمام أمير المؤمنين عليه السلام
[إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ اثْنَانِ اتِّبَاعُ الْهَوَى وطُولُ الْأَمَلِ فَأَمَّا اتِّبَاعُ الْهَوَى فَيَصُدُّ عَنِ الْحَقِّ وأَمَّا طُولُ الْأَمَلِ فَيُنْسِي الْآخِرَةَ] [٢].
[٣٨] وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا فقدمها على الآخرة.
[٣٩] فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى إنها النهاية التي اختارها بنفسه، ويبدو أن هذه الجملة هي جواب إِذَا الشرطية في قوله جَاءَتْ الطَّامَّةُ كما هي جواب لقوله فَأَمَّا مَنْ طَغَى فيكون
[١] الكافي: ج ٢، ص ٣٩٣.
[٢] نهج البلاغة: الخطبة: ٤٢.