من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٩٦ - سبح بحمد ربك واستغفره
وهذا يتناسب وما جاء في وقت نزول السورة، حيث روي: أنها نزلت بعد فتح مكة، وذكر في حديث آخر: إنها آخر سورة نزلت على الرسول، فقد جاء في حديث مأثور عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال
[أَوَّلُ مَا نَزَلَ عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه واله بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيم
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ
وَآخِرُهُ
إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ] [١] وقيل
[أَنهَا نَزَلَتْ بِمنَى فِي حَجَة الوَدَاع]
[٢]
وقد كانت تسمى هذه السورة بسورة التوديع لأنها- حسب الرواية التالية- نعت إلى الرسول نفسه، هكذا يقول ابن عباس
[لَمَّا نَزَلَت
إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ
قَالَ صلى الله عليه واله نُعِيَتْ إِلَيَّ نَفْسِي بِأَنَّهَا مَقْبُوضَةٌ فِي هَذِهِ السَّنَة] [٣].
وربما السبب في ذلك أن السورة قد أوحت إليه أن مسؤولية الرسول كمُبلِّغ وداعية إلى الله قد أُكملت، لذلك كان عليه أن يستعد للرحيل.
[٢] النصر أو الفتح ليسا هدفا بذاتهما عند المؤمنين، إنما وسيلة إلى هدف أسمى هو هداية الناس إلى نور الرسالة. وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً فعندما تهاوت حجب الضلال ورأى الناس نور الدين فوجدوه دين الفطرة والعقل، دين الحكمة والسماحة دخلوا فيه فوجا بعد فوج، يقود كل فوج إمامهم وداعيتهم، والسابق منهم إليه، وقد قال المفسرون: أنها نزلت في أهل اليمن الذين توافدوا على النبي صلى الله عليه واله أفواجا، تقول الرواية المأثورة عن ابن عباس
[أَنَّ النَبي صلى الله عليه واله قَرَأَ
إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ
وَجَاءَ أَهْل اليَمَن رَقِيقَةً أَفْئدَتهُم، لَينَةً طِبَاعَهُم، سَخِيةً قُلوبهُم، عَظِيمةً خَشْيتهُم، فَدَخَلوا
فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً] [٤]. وهكذا انتشر نور الإسلام بعد فتح مكة في كافة أرجاء الجزيرة العربية، وبدأ المسلمون يتحفزون للانبعاث الكبير في أرجاء الأرض.
وتهدينا بصائر هذه السورة وهدى سيرة النبي صلى الله عليه واله وعبر تاريخ الحركات الدينية: أن علينا أن نعقد العزم على تحطيم قلاع الكفر المتقدمة قبل نشر الرسالة، فما دامت تلك القلاع تدافع عن قيم الجهل والتخلف، وتمنع الناس بالترهيب والتضليل والترغيب عن التغيير والإصلاح، لا ينفع التبليغ والتبشير كثيرا، ومن أجل هذا قاتل كثير من الأنبياء والربانيون، ومن أجل هذا جاهد الرسول الأكرم، ومن أجل هذا ينبغي أن يجاهد ويقاتل كل مبلغ وداعية من يقف دون انتشار الدين.
[١] الكافي: ج ٢، ص ٦٢٨.
[٢] تفسير القمي: ج ٢، ص ٤٤٦، بحار الأنوار: ج ٢٧ ص ٦٨.
[٣] بحار الأنوار: ج ٢١، ص ١٠٠.
[٤] تفسير القرطبي: ج ٢٠، ص ٢٣٠.