من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٩٧ - هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون
مع الإخوة الأصفياء يعطي النفس لذة عظيمة، كما أن العلم غذاء شهي للروح والعقل. عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ جلوسهم على الأرائك مع إخوانهم المتقابلين لذة للنفس، ونظرهم إلى خلق الله وتجليات رحمته وقدرته لذة للعقل، وروي عن النبي صلى الله عليه واله
[يَنْظُرُونَ إِلَى أَعْدَائِهِمْ في النَّارِ]
[١]. قالوا: [الأرائك جمع أريكة، أي السرير]، وقيل: [أصلها فارسية]، وقيل: [إنها مشتقة من اسم شجرة يسمى ب- (أراكة)].
[٢٤] عندما يصفو عيش المرء من الأكدار، وقلبه من الضغائن والطمع والحرص، يتلألأ وجهه بآثار النعم، كما يزهر النبات ويتنور، كذلك أهل الجنة تفيض على وجوههم الجميلة آثار النعم نضارة ونورا. تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ ولعل التعبير ب- تَعْرِفُ يوحي بأنك تعرف مدى النعيم الذي هم مستقرون فيه بنظرة إلى وجوههم، ومدى نضارتها؛ فإن النضارة درجات وأنواع، وهي تعكس ما وراءها من عوامل النعيم ودرجاتها.
[٢٥] وجلسات الإنس لا تكتمل إلا بشراب يزيدهم نشاطا وسرورا يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ، قالوا: [الرحيق: صفوة الخمر]، وقال بعضهم: [إنها الخمرة العتيقة البيضاء الصافية من الغش النيرة، وأما المختوم فإنه يوحي بكرامة الشارب ألَّا تسبق إلى الشراب يد غيره].
[٢٦] وإذا كان ختم الشراب عادة قطعة طين لازب، فإن ختم رحيق الجنة المسك الأذفر خِتَامُهُ مِسْكٌ فيزيده عطرا وجمالا، ولنا أن نتصور آماد هذه النعم فنسعى إليها بكل همة ونشاط وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ في ضمير الإنسان نزعة راسخة تدعوه إلى التسابق والتقدم على الآخرين، وكثير منا يستثير هذه النزعة الفطرية في التسابق على الدنيا ونعيمها الزائل، بينما العقل يهدينا إلى أن التنافس ينبغي أن يكون على المكرمات والجنة، والآية هذه واحدة من عدة آيات قرآنية تستثير هذه النزعة المباركة في الطريق القويم، وهو التسارع إلى الخيرات، والتنافس في المكرمات، قال ربنا سبحانه سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ [الحديد: ٢١]، وقال سبحانه فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمْ اللَّهُ جَمِيعاً [البقرة: ١٤٨]، وقال تعالى فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمْ اللَّهُ جَمِيعاً [الأنبياء: ٩٠].
وإذا كان الإنسان يتنافس على شيء، فإن أفضل ما يتنافس عليه ذلك الرحيق المختوم، الذي يأتي مكملا لسلسلة من النعم المتواصلة، ولعل هذا هو السر في ذكر هذه الجملة عند بيان
[١] تفسير القرطبي: ج ١٩، ص ٢٦٤.