من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢١٤ - فألهمها فجورها وتقواها
عند ثمود، إذ إنهم هم الذين طالبوا نبيهم صالحا بآية مبصرة، واقترحوا عليه أن تكون ناقة تخرج من الجبل، وتعهدوا بتصديقه عندئذ، والتسليم لأمره، ولكنهم كذبوه وعقروا الناقة بعد أن حذرهم نبيهم من مغبة ذلك طغيانا وعتوا، فنزل العذاب بساحتهم. فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا قالوا: معناه احذروا ناقة الله، كما يقال: الأسد الأسد: أي احذره، والصبي الصبي: أي احفظه من الوقوع في البئر، ونسبت الناقة إلى الله تشريقا لها باعتبارها آية مبصرة، وكان عليهم أن يتقوا الله فيها، أما كلمة وَسُقْيَاهَا فتعني ذروها تشرب، وكان لها شرب يوم معلوم، ولهم مثله.
[١٤] ولكنهم كذبوا رسول الله، وعقروا الناقة، وتحدوا أمر ربهم وإنذاره، فأطبق عليه العذاب، ولم يبق من قراهم شيئا فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ يقال دمدم على الشيء إذا طبق عليه، ودمدمت على الميت التراب أي سويت عليه، ويبدو أن الدمدمة هي الإطباق بتدريج، أي بتكرار مرة بعد أخرى بِذَنْبِهِمْ فلم يفعل بهم ظلما. حاشاه، وإنما جزاء لأفعالهم، وكل من يذنب يهيئ نفسه لمثل تلك الدمدمة فَسَوَّاهَا كما يسوي القبر بعد أن يهال التراب عليه طبقا بعد طبق.
[١٥] وهل سأل الله أحدا في أولئك الهلكى لماذا أهلكهم؟! كلا .. وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا سبحان الله وتعالى كيف يخاف عقبى دمدمة وهو جبار السموات والأرض؟! وهكذا لم تنفعهم الشركاء والأنداد، ولم تنقذهم الأعذار والتبريرات. أفلا نرتدع بمصيرهم، كذلك كانت عاقبة قوم دسوا أنفسهم فخابوا أشد الخيبة، وكذلك تكون عاقبة كل من ضيع نفسه ودسها، إنها الخيبة والندم أعاذنا الله منهما.