من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٩٩ - هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون
مزاج شراب الأبرار التسنيم، بينما يرتوي منه المقربون، فهو شرابهم الخالص، و بِهَا لتأكيد معنى الارتواء. عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ ولعل في شراب التسنيم آثار معنوية، حيث يكسب شاربه قربا إلى الله ورضوانا، وهكذا خمرة الجنة تزيد العقل، وتنشط الفكرة، وتلهم الروح إيمانا وعرفانا، فأين هي من خمرة الدنيا التي تزيل العقل، وتخمل الفكر، وتبعد الروح من مقام ربها؟!.
[٢٩] تلك كانت مجالس الإنس والمصافاة، وشرب الرحيق والسلسل؛ يجازي الرب بها عباده الذين عانوا الآلام الروحية، فكم ضحك منهم المجرمون وكم تفاخروا، وكم سرقوا منهم لقمة العيش فتفكهوا بها وتركوهم يتضورون جوعا. إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ ذكروا في تنزيل الآية سببين
الأول: أن المجرمين هم أكابر قريش كانوا يضحكون من عمار وصهيب وبلال وغيرهم من فقراء المسلمين ويستهزئون بهم.
الثاني: أنه: [جاء علي عليه السلام في نفر من المسلمين فسخر منهم المنافقون وضحكوا وتفاخروا، ثم رجعوا إلى أصحابهم فقالوا رأينا اليوم الأصلع، فضحكوا منه، فنزلت هذه الآية قبل أن يصل علي عليه السلام إلى رسول الله صلى الله عليه واله] [١]. والظاهر أن سبب النزول الثاني أقوى لأن السورة مدنية.
[٣٠] أول شهادة تسجل ضد المجرم هي شهادة ضميره الذي لا يني يلومه ويؤنبه على جريمته، لذلك تراه يسعى جاهدا للتخلص منه فماذا يفعل؟ إنه ينتقم من أهل الصلاح وينتقص منهم ويستهزئ بهم لعله يخفف من وطأة اللوم الذي يتعرض له داخليًّا. كلا ... إنه يزداد وخزا وألما لأن الاستهزاء بالمؤمنين جريمة أخرى ارتكبها واستحق عليها لوم ضميره، وهكذا يزداد استهزاء وسخرية دون أية فائدة. وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ أي يشيرون إليهم بأعينهم وأيديهم استهزاء، وقيل: الغمز بمعنى العيب. والله يدري كم تكون جراحة اللسان أليمة بالنسبة إلى المؤمن الشريف الذي لا يزال يجتهد من أجل تزكية نفسه. وإذا كان الغمز في الجاهلية بالعين واليد فإنه أصبح اليوم بالأقلام والأفلام وسائر وسائل التشهير التي امتلكها أعداء الإنسان، أعداء الله والدين، وإن صمود المجاهدين اليوم أمام هذه الدعايات المضللة يزيدهم عند الله أجرا وزلفا، لأنهم يصبرون على أذى عظيم، وآلام نفسية لا تحتمل.
[٣١] وبينما يعيش المؤمنون والمجاهدون أشد حالات الألم والخوف وتنتفض أطفالهم
[١] التفسير الكبير: ج ٣١، ص ١٠١.