من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٥٢ - سبح اسم ربك الأعلى
خلق بصورة مختلفة عن نظيراتها، ولكنها جميعا تتناغم وكأنها فرقة أنشودة، من أبعد نجمة إلى أصغر ذرة، من أضخم شجرة إلى أصغر نبتة، من الحوت حتى أصغر سمكة، من الفيل حتى أنعم حشرة، من العقاب حتى البعوضة .. كلها وكلها قد خلقت بدقة متناهية. هل سمعت نبأ الذرة التي لا ترى، وكيف بنى الله في عالمها الكبير الصغير مملكة عظيمة؟ لو قستها بالمجرة التي لا نستطيع أن نتخيل عظمتها لرأيناهما قد خلقتا جميعا بقدر عظيم من الدقة والتنسيق ... ولكن المجرة هي- في الواقع- مجموعة عظيمة من الذرات، وهي هي ذات الحقيقة تتجلى مرة في شكل ذرة ومرة في صورة مجرة .. وما بين الذرة والمجرة ملايين الملايين من المخلوقات المتنوعة، قد خلقها الله خلقا سويا في ذاتها، وقدر لكل واحد واحد منها هدفا ومسيرة، وهداها إلى هدفها ومسيرتها، وكذلك قال ربنا العزيز الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى والخلق قد يكون بمعنى الإنشاء أو الصنع بعد الإنشاء، وتسويته بمعنى تكميله حتى لا يحتاج إلى شيء لتحقيق ما خلق له إلا وقد أعطاه، ولا تجد ثغرة في خلق الله تعالى ولا فطورا، ولا نقصا كبيرا أو صغيرا.
[٣] وقدر لكل خلق من الكائنات جمادا أو نباتا أو حيوانا أو إنسانا هدفا ألزمه به، وجعله يسعى إليه، وحدد لكل هدف وسيلة، ولكل غاية سبيلا، وهدى كل شيء إلى ما قدر له .. أما الجمادات فقد هداها بما أوجد فيها من قوة وإمكانية، وبما أوجد فيما حولها من ضغوط، مثلا: لعل التفاحة لا تدرك لماذا خلقت؟ ولا تهتدي بذاتها إلى هدفها المتمثل في إغناء جسد الإنسان بما يحتاجه من فيتامين، وروحه بما تتطلع إليه من جمال وروعة، ولكن الله جعل التفاحة هذه الخصائص، وجعل في الإنسان حاجة إليها، فجعل سعي الإنسان إليها بمثابة سعيها إليه على أننا لا نملك معرفة بما في واقع التفاحة أو أي جماد أو نبات أو حيوان من تحسس.
ولكي تزداد معرفتنا بالله وتسبيحنا له ننقل فيما يلي مقاطع من كتاب (العلم يدعو للإيمان) الذي ينقل إلينا الكاتب فيه بعض آيات الله في الطبيعة: [إن الطيور لها غريزة العودة إلى الموطن، فعصفور الهزَّاز الذي عشش ببابك يهاجر جنوبًا إلى الخريف، ولكنَّه يعود إلى عشِّه القديم في الربيع التالي. وفي شهر سبتمبر تطير أسراب من معظم طيورنا إلى الجنوب، وقد تقطع في الغالب نحو ألف ميل فوق عرض البحار، ولكنَّها لا تضلُّ طريقها .... والنحلة تجد خليَّتها مهما طمست الريح، في هبوبها على الأعشاب والأشجار؛ كلَّ دليلٍ يُرى .... ولا بدَّ أنَّ للحشرات الدقيقة عيونًا ميكروسكوبية (مكبرة) لا ندري مبلغها من الأحكام. وأنَّ للصقور بصرًا تلسكوبيًّا (مقربا)] [١].
ويضيف: [إن العاملات من النحل تصنع حجراتٍ مختلفات الأحجام في المشط الذي
[١] العلم يدعو للإيمان، لكريسي موريسون: ص ٧٩- ٨٠، الصادر عن دار وحي القلم، عام ١٤٢٨ ه/ ٢٠٠٧.