من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٢٤ - إن سعيكم لشتى
وتكريس الأنانية، إلا المتقون الذين يعرفون أن حب الدنيا أصل كل انحراف فيطهرون بالزكاة قلوبهم من حبها.
[١٩] وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى فلم ينفق ماله جزاء على نعمة سبقت إليه من المنفق عليه، ولم يطلب لإنفاقه جزاء حتى ولو كان من نوع طلب الشكر، أو محاولة إخضاع الفقير لسلطته، وتكريس حالة الطبقية بهذا الإنفاق، كإنفاق الكثير من المترفين والمسرفين.
[٢٠] كلا .. إنما ينفق لوجه الله، وابتغاء مرضاته، وسعيا وراء الجنة التي وعد الله المنفقين. إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى ووجه الله رضاه وما أمر به، ومما أمر به طاعة أوليائه.
[٢١] لأنه ابتغى رضوان الله فإن الله يرضيه بفضله. وَلَسَوْفَ يَرْضَى وهل هناك غاية أسمى من الرضا؟ أليس الإنسان دائم التطلع عريض الطموح، فكيف يرضى؟ بلى، أنى كانت رغبات الإنسان عظيمة فإن الجنة أعظم، وفضل الله أكبر.
وهذه السورة بمجملها ولا سيما خاتمتها تكرس في الإنسان حس المسؤولية، بيد أن بعض القدرية حاولوا تفسيرها بما يتناسب ونظرية الجبر التي تنتزع حس المسؤولية عن القلب، فإذا كان كل شيء كتب بالقلم وحتى عمل الإنسان فأين مسؤوليته؟! ولماذا يحرضنا الله على العطاء ولا نملك من أنفسنا شيئا، ولماذا يحذرنا النار ولسنا الذين نقرر الدخول فيها أو اجتنابها؟ هكذا جاء في صحيح مسلم عن أبي الأسود الدؤلي قال: [قال لي عمران بن حصين: أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه أين قضي ومضى عليهم من قدر سبق، أو فيما يستقبلون مما آتاهم به نبيهم. وثبتت الحجة عليهم؟! فقلت: بل شيء قضي عليهم ومضى عليهم، قال: فقال: أفلا يكون ظلما؟ ففزعت من ذلك فزعا شديدا، وقلت: كل شيء خلق الله وملك يده، فلا يسأل عما يفعل وهم يسألون، فقال لي: يرحمك الله. إني لم أرد فيما سألتك إلا لأحرز عقلك] [١].
وإن رجلين من مزينة أتيا رسول الله صلى الله عليه واله فقالا: يا رسول الله! أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه. أشيء قضي عليهم ومضى، من قدر قد سبق، أو فيما يستقبلون به مما آتاهم به نبيهم وثبتت الحجة عليهم؟ فقال
[لَا بَلْ شَيء قُضِيَ عَلَيْهِم وَمَضَى فِيْهِم، وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الله عَزَّ وَجَل
وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا] [٢].
ويبدو لي أن هناك خلطا فظيعا حدث عند البعض بين الإيمان بالقضاء والقدر، وبين الأخذ بنظرية الجبر اليهودية التي زعموا فيها: أن يد الله مغلولة، وأن الله لا يقدر على تغيير
[١] صحيح مسلم: ج ٨، ص ٤٩- ٤٨.
[٢] انظر القرطبي: ج ٢٠ ص ٧٦، تهذيب الكمال للمزي: ج ٤ ص ٣٨٩.