من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢١٠ - فألهمها فجورها وتقواها
وتناسقها ونظمها الدقيق، يجعلهم ينظرون إلى الشمس وضحاها ببراءة الطفل، وإحساس الشاعر، وشفافية الواله العاشق، كلما أشرقت الشمس على البسيطة ونشرت ضحاها فوق الروابي والسهول، وبثت أشعتها عبر النوافذ والمداخل، استلهموا منها درسا جديدا بل روحا جديدة. وزخة عاطفية.
وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا قسماً بها .. انظر إليها وكأنك لم تعرفها من قبل، ما هذه الكتلة العظيمة من النيران، التي لا تزال تحترق منذ ملايين السنين، ولا زالت في كهولتها؛ لأن احتراقها يتم بالتفاعل النووي، ونحن لازلنا على الأرض نتمتع بدفئها وضوئها وفوائدها، ولكن دعنا نتدبر في ضحوة الشمس وهي كما قيل ضد الظل أي أشعتها المنبسطة على الأرض، وتتجلى عند ارتفاع الشمس، وقال بعضهم: ضحى الشمس هي النهار كله، ويبدو أن القول الأول أظهر وهو أن الضحى من الضح وهو نور الشمس.
[٢] للشمس جمالها الناطق وروعتها الصارخة، أما القمر فجماله صامت وروعته هادئة، لذلك اختاره الشعراء لسهراتهم، والعشاق لنجواتهم، وأهل الطاعة لسبحاتهم. ما هذا الفيض المتدفق من النور الهادئ؟ يسبح في الفضاء، وينتعش به جمال الطبيعة، ويهتدي به السري! وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا أي يلي الشمس، ومن أوتي حسا رهيفا سمع سبحات الشمس والقمر ونورهما فاهتدى إلى ربهما العزيز.
[٣] قسماً بضحوة الشمس، ونور القمر. قسما بالنهار الذي يحيط الأرض بضيائه ودفئه وحيويته. وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا يبدو أن الضمير يعود هنا إلى الأرض وأن لم تذكر كقوله سبحانه عن الشمس حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ [ص: ٣٢]. ولم تذكر الشمس في السياق. وقيل: جلى الظلمة وان لم يجر لها ذكر كما نقول أضحت باردة نريد أضحت الغداة باردة أو الليلة باردة، وأنى كان فإن التدبر في النهار ونوره وجماله يزيد الإنسان بصيرة وهدى.
[٤] بعد نهار طويل مجهد يغشى الأرض ظلام الليل وهدوئه، فيستريح على كفه الناس والأحياء والنبات، ومن يتدبر في النهار وضيائه ونشاطه وحركته يصعب عليه كيف يغشى الأرض بعد ساعات الليل بسباته ودجاه وسكونه وسكوته. دع فكرك يقارن بينها وينطلق في آفاق المعرفة. وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى والضمير هنا كما الضمير في الآية السابقة يعود إلى الأرض، وجاء في بعض النصوص تأويل هذه الكلمات في الجوانب المعنوية من حياة المجتمع، وأن الشمس رسول الله صلى الله عليه واله، بينما القمر أمير المؤمنين عليه السلام، أما النهار فأئمة الهدى عليهم السلام، بينما الليل أئمة الضلال [١].
[١] تفسير نور الثقلين: ج ٥ ص ٥٨٥.