من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٥١ - إن هو إلا ذكر للعالمين
[٥] في ذلك اليوم تتجمع الوحوش من كل ناحية، كأنها تحس بالوحشة من شدة الهول فتلوذ ببعضها، وتقترب من بني آدم دون أن تنفر منهم أو ينفر بعضها من بعض. ما أعظم ذلك اليوم على قلب الكائنات! وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ والحشر- حسب هذا التفسير- بمعنى الجمع، وقيل: أن الحشر بمعنى إعادتها إلى الحياة حتى يتم إجراء العدالة عليها حسب مستواها الشعوري، فإذا كانت القرناء طعنت الجماء أعيدتا حتى يقتص للجماء من القرناء ثم تموتا معا. والله العالم. عن أمير المؤمنين عليه السلام قال
[وأَمَّا الذَّنْبُ الَّذِي لَا يُغْفَرُ فَمَظَالِمُ الْعِبَادِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، إِنَّ الله تَبَارَكَ وتَعَالَى إِذَا بَرَزَ لِخَلْقِهِ أَقْسَمَ قَسَماً عَلَى نَفْسِهِ فَقَالَ: وعِزَّتِي وجَلَالِي لَا يَجُوزُنِي ظُلْمُ ظَالِمٍ ولَوْ كَفٌّ بِكَفٍّ ولَوْ مَسْحَةٌ بِكَفٍّ ولَوْ نَطْحَةٌ مَا بَيْنَ الْقَرْنَاءِ إِلَى الْجَمَّاءِ، فَيَقْتَصُّ لِلْعِبَادِ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ حَتَّى لَا تَبْقَى لِأَحَدٍ عَلَى أَحَدٍ مَظْلِمَةٌ ثُمَّ يَبْعَثُهُمْ لِلْحِسَابِ] [١].
[٦] وماذا عن البحار وهذه المحيطات العظيمة؟ هل يمكن أن يلوذ بها الناس خشية النيران؟ كلا .. إنها بدورها تسجر كما يسجر التنور، وتشتعل نارا لاهبة. وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ وكان المفسرون سابقا يبحثون عن تفسير لهذه الآية حتى قال بعضهم: تكون جهنم في قعر البحار فيأذن الله لها أن تحرق البحار بنيرانها، وقال آخرون: إن الله يلقي بالشمس والقمر وسائر الإجرام في البحار فتسجر، أو أنه يخلق فيها نيرانا عظيمة فيحرقها، وقال الرازي بعد نقل هذه الأقوال وغيرها: [هذه الوجوه متكلفة، لا حاجة إلى شيء منها، لأن القادر على تخريب الدنيا وإقامة القيامة لا بد أن يكون قادرا على أن يفعل بالبحار ما شاء، من تسخين ومن قلب مياهها نيرانا، من غير حاجة منه إلى أن يلقي فيها الشمس والقمر أو أن يكون تحتها نار جهنم] [٢] وكيف لبحار الأرض أن تسع حجم الشمس؟!.
بلى، وقد أثبت العلم أن في الماء مادتين (أوكسجين+ هيدروجين) وهما شديدا الاشتعال لو انفصلا، وقد اخترعوا سيارات تعمل على الماء بعد تجزئته، فهل تعجز قدرة الرب عن فصلهما يوم القيامة بفعل ضغط جوي هائل أو ما أشبه حتى تتسجر؟! إن عدم معرفة البشر بكيفية وقوع الشيء قد يدعوه إلى الكفر بوقوعه رأسا، وهذا من أعظم تبريرات الكفار بيوم القيامة، ولكن هل أحاط البشر بكل شيء علما، حتى ينكر أي شيء لا يعلم تفصيل وقوعه؟! أليس في هذا جهل مركب؟! ولعل الكفار بيوم البعث كانوا يسخرون من كيفية تحول البحار نيرانا، ويقولون: أن الماء يطفئ النار فكيف يشعلها؟! ولكن ثبت علميا أن الماء أساسا مركب من نارين. أولا يهدينا ذلك إلى أن جهلنا بكثير من الحقائق لا يبرر كفرنا بها رأسا؟!.
[١] الكافي: ج ٢، ص ٤٤٣.
[٢] التفسير الكبير: ج ٣١، ص ٦٨.