من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٠٤ - وما أدراك ما العقبة
ولذلك تتوالى النصوص القرآنية التي تشجع على الاهتمام به.
[١٦] والمورد الضروري الآخر للإنفاق هو المسكين القريب. أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ الذي ألصقه الفقر بالتراب.
[١٧] ويبدو أن فك الرقبة والإطعام مثلان لاقتحام العقبة، وأن الكلمة تشمل كل اقتحام لعقبة الهوى، ومجاهدة لتيار الشهوات، وإن أعظم ما ابتلي به الإنسان عقبة التسليم للحق ولمن يمثله من البشر كالرسول وخلفائه عبر العصور، فمن والى الرسول وأئمة الهدى عليهم السلام من خلفائه فقد اقتحمها، وإلا هوى في النار، لذلك عبر القرآن عن هذه الطاعة بكلمة ثُمَ وقال ثُمَّ كَانَ مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا فإن المسافة بين فك رقبة والإطعام، وبين الإيمان التام بكل ما أنزل الله واتباع رسول الله مسافة شاسعة، وإن البشر لا يزال يعمل الخيرات ويقاوم شهوات نفسه حتى يعرج إلى مستوى التسليم لله، والإيمان برسالاته، واتباع الرسول وخلفائه المعصومين. والصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، وأعظم منه التواصي به، فإنه قمة التسليم للحق والرضى بالمكاره التي في طريقه، وأعظم من الصبر الرحمة، فقد تعبر على أذى الناس وأنت تدعوهم إلى الخير ولكن يمتلئ قلبك بغضا لهم، بينما المؤمن حقا هو الذي يرحم الناس جميعا وحتى أعدائه تسعهم رحمته، وأعظم من كل ذلك التواصي بالمرحمة. وإشاعة ثقافة الصبر والرحمة في المجتمع. وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ.
[١٨] هؤلاء هم أصحاب الجنة الذين يحظون بالعاقبة الحسنى. أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ وهكذا جعل الله شرطا لدخول الجنة يتمثل في اقتحام العقبة، ومن لم يحقق هذا الشرط الأساسي فإن أمانيه في الجنة تذهب عبثا، وقد قال الإمام أمير المؤمنين عليه السلام
[هَيْهَاتَ لَا يُخْدَعُ اللهُ عَنْ جَنَّتِهِ]
[١]. وجاء في حديث مأثور
[حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ وَ حُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَات] [٢].
[١٩] أما الكفار الذي سقطوا في فخ الهوى، ولم يتساموا إلى مستوى التحدي فإنهم يتهاوون في النار وساءت مصيرا. وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ ولا يقبل إنفاقهم، لأن الإيمان شرط مسبق لقبول أي عمل صالح، والعرب كانت تتشاءم من الشمال وذلك سمتها المشأمة.
[٢٠] وكما سجنوا أنفسهم في زنزانة الذات، وصدوها عن رحاب الحق الواسعة، فإنهم يعذبون بنار مطبقة عليهم، مغلقة دونهم. عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ نعوذ بالله من هذه العاقبة السوأى.
[١] بحار الأنوار: ج ٣٤، ص ٨٩.
[٢] بحار الأنوار: ج ٦٧، ص ٧٨.