من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٠١ - إذا زلزلت الأرض زلزالها
[٦] يبدو أن الأرض التي انعكست عليها أقوال الناس وأفعالهم منذ أن عاشوا عليها تبدأ بإعادة تمثيلها لهم كما الشريط المصور الذي تنعكس عليه صور الحوادث، ثم يعرض علينا لنراها من جديد، ولذلك قال ربنا سبحانه يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ إننا نعرف كيف تنعكس ذبذبات الصوت على الشريط الكاسيت، ولكن لا نعرف كيف تنعكس أيضاً على ذرات التراب التي تحيط بنا، ولعل الإنسان يتقدم علمياً حتى يبلغ هذا السر في يوم ما، إنما علينا الآن أن نبقى حذرين من كل شيء محيط بنا، فإنه يسجل أفعالنا التي تحفظ إلى يوم القيامة لنراها، فأي يوم رهيب ذلك اليوم، حيث يرى الإنسان ما عمله خلال حياته محضرا. إن الإنسان قد يرتكب جريمة أو يقترف إثماً، فيلاحقه ضميره بالتأنيب، فيحاول جهده تناسي الأمر حتى لا يصاب بوخز الضمير فيما بينه وبين نفسه، فكيف إذا جِيء به على رؤوس الأشهاد، وصورت له أفعاله! أي خزي يلحق المجرمين في ذلك اليوم، أم أيُ عار عظيم؟!.
قالوا: صدور الناس: نشورهم من قبورهم، وحركتهم باتجاه محكمة الرب، وقيل: أنه مستوحى من صدور الإبل من الماء، أما الأشتات فإنه يعني متفرقين، وأعظم ما يفرقهم الإيمان والكفر، فمن آمن اتخذ سبيلا مختلفا عن الكفار، كما قال ربنا سبحانه يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ [الروم: ١٤]، والآية التالية تشهد بهذا المعنى. وقال بعضهم: بل معنى الأشتات: أنهم يصدرون من مقابرهم وهي مبثوثة في أنحاء مختلفة من الأرض، كما أنهم مختلفون في المذاهب والنحل، ويبعث كل أمة منهم بإمامهم.
[٧] وليست الأعمال الكبيرة وحدها التي تتجسد ذلك اليوم، بل حتى أصغر ما يتصوره الإنسان من عمل، من وسوسة الصدر، حتى لمحة بصر، ونصف كلمة، ونفضة من حركة كلها مسجلة. فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه قالوا: عن الذرة أنها النملة أو ما يلصق باليد من تراب إذا وضعها على الأرض، فكل حبة ذرة، أو ما يرى في شعاع إذا دخل من كوة صغيرة، ونقل نص مأثور يقول: [الذرة لا زنة لها] [١]. واليوم حيث عرف البشر الذرة وعرف أنها أصغر مما كان يتصوره الأقدمون، فأي حساب دقيق ينتظرنا يومئذ، فما لنا نغفل عما يراد بنا.
[٨] وإذا كانت كل ذرة من خير تؤثر في مصيرنا، فعلينا أن نزداد منها أنى استطعنا، وإذا كانت كل ذرة من شر نحاسب عليها، فعلينا أن نتحذر منها. وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَه ولذلك جاء في الحديث المأثور عن الرسول صلى الله عليه واله
[مَا مِنْ أَحَدٍ يَوْم القِيَامَةِ إِلا
[١] القرطبي: ج ٢٠ ص ١٥٠.