من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٣٤ - ولسوف يعطيك ربك فترضى
وقد أتعب رسول الله نفسه، وحمل ذوي قرباه على أصعب المحامل من أجل الله، ولبلوغ درجة الوسيلة (التي أظنها هي الشفاعة بذاتها) جاء في حديث مأثور عن الإمام الصادق عليه السلام
[أَنَّهُ دَخَلَ يَوماً عَلَى فَاطِمَة عليها السلام وَعَلَيْهَا كِسَاءٌ مِنْ ثُلةِ الإِبلِ، وَهي تَطْحَنُ بِيَدِهَا، وَتُرضِعُ وَلَدَهَا، فَدَمَعَتْ عَيْنَا رَسُول الله لمَا أَبْصَرَهَا، فَقَالَ: يَا ابْنَتَاه تَعَجَلي مَرَارَةَ الدُنْيَا بَحَلاوَةِ الآخِرَة، فَقَدْ أَنْزَلَ الله عَلَي
وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى
وَقَالَ الإمَامُ الصَادِقْ عليه السلام: [رِضَا جَدِي أَنْ لَا يَبْقَى فِي النارِ مُوَحِد] [١].
[٦] لقد ترعرع رسول الله يتيما، فقد والده وهو لا يزال في بطن أمه، ثم فقد والدته في الطفولة المبكرة، وذاق- كبشر- كل ما يعانيه يتيم الأبوين من حرمان عاطفي، فجعله الله ينبوع الحب والحنان. أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى كان رسول الله بطلعته البهية، وجذابيته الأخاذة، وبما حباه الله من بركة تفيض على من حوله مأوى القلوب التي تهوى التقرب إليه وتتنافس على خدمته، ألم تسمع قصة عبد المطلب- جده العظيم- كيف كان يشرف شخصيا على راحته، ومن بعده عمه أبو طالب- سيد بني هاشم- يستميت في الدفاع عنه، ويفضله على أولاده في الخدمة. سبحان الله! كيف يتجلى بآياته للخلق، فيجعل يتيم الأبوين أعظم شخصية عبر التاريخ، الذي أحبه أهل الأرض وأهل السماء، فلم يحبوا أحداً مثله.
وقد أثار البعض السؤال التالي: لأية حكمة جعل الله خاتم أنبيائه يتيم الأبوين؟.
تجيب الرواية التالية على ذلك: يقول الإمام الصادق عليه السلام
[لِئَلا يَكُونُ لِمَخْلُوقٍ عَلَيهِ حَق]
[٢]. وهناك تفسير آخر لليتيم نجده في بعض النصوص سنذكره ضمن تفسير الآيات التالية إن شاء الله.
[٧] وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى لقد قدر الله للنبي صلى الله عليه واله أن يكون خاتم النبيين قبل ولادته، بل كان نورا يحدق بعرش الله، وقد قال صلى الله عليه واله
[كُنْتُ نَبِيّاً وَ آدَمُ بَيْنَ الْمَاءِ وَ الطِّين]
[٣] .. بل كان مثلا للنور الذي خلقه الله في البدء ثم خلق الخلق به. جاء في حديث شريف
[أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللهُ نُورِي]
[٤]. وقد قلبته يد الرحمة الإلهية في أصلاب شامخة، وأرحام مطهرة، حتى قال ربنا تعالى وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ [الشعراء: ٢١٩]، وعند ولادته من أبوين كريمين- عبد الله عليه السلام، وآمنة بنت وهب عليها السلام- أظهر الله آيات عظيمة في العالم، إيذانا بولادته فسقطت
[١] تفسير نور الثقلين: ج ٥، ص ٥٩٥.
[٢] بحار الأنوار: ج ١٦، ص ١٣٦.
[٣] بحار الأنوار: ج ١٦ ص ٤٠٢.
[٤] بحار الأنوار: ج ١ ص ٩٧.