من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٣٦ - ولسوف يعطيك ربك فترضى
[٩] لقد نهض النبي من أرض الحرمان، فكان نصير المحرومين، وقد أوصاه الرب بمداراة اليتيم، ونهاه عن قهره، وتجاوز حقه. فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ إن إحساس اليتيم بالنقص يكفيه قهرا، ولا بد أن يقوم المجتمع بتعويض هذا النقص بالعطف عليه، لكي لا يتكرس هذا النقص في نفسه، فيصاب بعقدة الضعة، ويحاول أن ينتقم عندما يكبر من المجتمع، ويتعالى على أقرانه، ويستكبر في الأرض. ولعل التعبير بعدم القهر يشمل أمرين: الأول: دفع حقوق اليتيم إليه، الثاني: عدم أخذ الحق من عنده بالقهر والتسلط.
وقد راعى القرآن الجانب النفسي لليتيم مع أنه بحاجة عادة إلى معونة مادية أيضا، أوتدري لماذا؟ أولًا: لأن كل الأيتام يحتاجون إلى عطف معنوي، بينما قد لا يحتاج بعضهم إلى عون مادي، ثانياً: لأن النهي عن قهرهم يتضمن النهي عن استضعافهم المادي أيضا.
وقد وردت نصوص كثيرة في فضيلة الاهتمام بالأيتام والنهي عن ظلمهم، فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه واله
[مَنْ مَسَحَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِ يَتِيمٍ تَرَحُّماً لَهُ أَعْطَاهُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ بِكُلِّ شَعْرَةٍ نُوراً يَوْمَ الْقِيَامَةِ]
[١]. وقال
[أَنَا وكَافِلُ الْيَتِيمِ كَهَاتَيْنِ فِي الْجَنَّةِ وأَشَارَ بِإِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ والْوُسْطَى]
[٢]. وروي عن رسول الله صلى الله عليه واله
[إِنَّ الْيَتِيمَ إِذَا بَكَى اهْتَزَّ لَهُ الْعَرْشُ فَيَقُولُ الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَنْ هَذَا الَّذِي أَبْكَى عَبْدِيَ الَّذِي سَلَبْتُهُ أَبَوَيْهِ فِي صِغَرِهِ فَوَ عِزَّتِي وَجَلَالِي لَا يُسْكِتُهُ أَحَدٌ إِلَّا أَوْجَبْتُ لَهُ الْجَنَّة] [٣].
[١٠] وكما اليتيم الفقير السائل، أوصى الإسلام به خيرا، فقال ربنا سبحانه وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ ومن عاش ورأى الحرمان، ولدغته لسعات الجوع كان أحرى باحترام مشاعر السائل كإنسان، وسواء وفق لمساعدته أو لا فإن عليه أن يتجنب نهره وزجره وإغلاظ القول له، فإن في ذلك إفساد لنفسه، حيث يشرع في التعالي على الناس والاستكبار في الأرض، وعبادة الدنيا وزينتها، كما إن في ذلك إفساد نفسية السائل، وزرعها بعقدة الضعة، فربما دار دولاب الزمن واستغنى السائل وافتقر المسؤول! كما إن في ذلك إفساد للمجتمع بتكريس الطبقية فيه. وقد وصى الإسلام بالسائل كثيرا ألا ينهر، فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه واله
[رُدُّوا السَّائِلَ بِبَذْلٍ يَسِيرٍ وبِلِينٍ ورَحْمَةٍ فَإِنَّهُ يَأْتِيكُمْ حَتَّى يَقِفَ عَلَى بَابِكُمْ مَنْ لَيْسَ بِإِنْسٍ ولَا جَانٍّ يَنْظُرُ كَيْفَ صَنِيعُكُمْ فِيمَا خَوَّلَكُمُ اللهُ]
[٤]. ونهى الإسلام من السؤال، واعتبره ذلا، ولكنه نهى أيضا عن رد من يسأل، جاء في حديث مأثور عن الإمام الباقر عليه السلام أنه قال
[لَوْ يَعْلَمُ السَّائِلُ مَا فِي الْمَسْأَلَةِ
[١] وسائل الشيعة: ج ١٦، ص ٣٣٧.
[٢] مستدرك الوسائل: ج ٢، ص ٤٧٤.
[٣] بحار الأنوار: ج ٧٢، ص ٥.
[٤] بحار الأنوار: ج ٩٣ ص ١٥٩.