من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٣٧ - ولسوف يعطيك ربك فترضى
مَا سَأَلَ أَحَدٌ أَحَداً ولَوْ يَعْلَمُ الْمُعْطِي مَا فِي الْعَطِيَّةِ مَا رَدَّ أَحَدٌ أَحَداً] [١].
[١١] الرزق طعام الجسد، وشكره طعام الروح، ومن فقد الشكر أحس بجوع دائم، أوليس أعظم الغنى غنى النفس؟ أولئك الذين يستشعرون الفقر النفسي يشبهون تماما المصابين بمرض الإفك، تسري في عروقهم قشعريرة باردة ولو تحت عشرين دثارا. والعطف على اليتيم، ورد السائل بالإنفاق أو بالكلام الطيب مظهران للشكر، إلا إن لشكر نعم الله مظاهر شتى أمر الإسلام بها جميعا عبر كلمة حكيمة جامعة، فقال وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ والحديث عن النعمة يشمل ثلاثة أبعاد
أولًا: الاعتراف به، وبيانه أمام الملأ لكي لا يحسبه الناس فقيرا وهو مستغن بفضل الله، فقد روي عن الإمام الصادق عليه السلام في تفسير الآية
[فَحَدِّثْ بِمَا أَعْطَاكَ اللهُ وَفَضَّلَكَ وَرَزَقَكَ وَأَحْسَنَ إِلَيْكَ وَ هَدَاك] [٢].
ثانياً: أن يرى أثر نعمته على حياته، فلا يبخل على نفسه مما رزقه الله، مما يخالف حالة الترهب الذي نهى عنه الإسلام فقد جاء في الحديث المأثور عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: [حِينَ اشْتَكَى إِلَيْهِ الربِيْع بن زِيَاد أَخَاهُ عَاصِم بن زِيَاد، وَقَالَ: أَنَّه لَبسَ العَباءَة، وَتَرَكَ الملأ، وَأَنَّهُ قَدْ غَمَّ أَهْلَهُ وَأَحْزَنَ وُلْدَهُ بِذَلِكَ فَقَالَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ عليه السلام
عَلَيَّ بِعَاصِمِ بْنِ زِيَادٍ.
فَجِيءَ بِهِ فَلَمَّا رَآهُ عَبَسَ فِي وَجْهِهِ وَقَالَ لَهُ
أَمَا اسْتَحْيَيْتَ مِنْ أَهْلِكَ أَمَا رَحِمْتَ وُلْدَكَ أَتَرَى الله أَحَلَّ لَكَ الطَّيِّبَاتِ وَهُوَ يَكْرَهُ أَخْذَكَ مِنْهَا أَنْتَ أَهْوَنُ عَلَى الله مِنْ ذَلِكَ أَوَ لَيْسَ اللهُ يَقُول
وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ (١٠) فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الأَكْمَامِ [الرحمن: ١٠- ١١]
أَوَ لَيْسَ يَقُول
مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (١٩) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ [الرحمن: ١٩- ٢٠]
إِلَى قَوْلِه
يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ [الرحمن: ٢٢]
فَبِالله لَابْتِذَالُ نِعَمِ الله بِالْفعلِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنِ ابْتِذَالِهَا بِالْمَقَالِ فَقَدْ قَالَ اللهُ عَزَّ وَ جَل
وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ
. فَقَالَ عَاصِمٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! فَعَلَامَ اقْتَصَرْتَ فِي مَطْعَمِكَ عَلَى الْجُشُوبَةِ وَفِي مَلْبَسِكَ عَلَى الْخُشُونَةِ فَقَالَ
وَيْحَكَ! إِنَّ الله عَزَّ وَجَلَّ فَرَضَ عَلَى أَئِمَّةِ الْعَدْلِ أَنْ يُقَدِّرُوا أَنْفُسَهُمْ بِضَعَفَةِ النَّاسِ كَيْلَا يَتَبَيَّغَ بِالْفَقِيرِ فَقْرُهُ.
فَأَلْقَى عَاصِمُ بْنُ زِيَادٍ الْعَبَاءَ وَلَبِسَ الْمُلَاء] [٣].
وينبغي أن يأخذ الإنسان من زينة الحياة الدنيا بقدر حاجته، فقد روي عن رسول الله
[١] الكافي: ج ٤ ص ٢٠.
[٢] مجمع البيان: ج ١٠، ص ٣٨٦.
[٣] مجمع البيان: ج ١٠، ص ٣٨٦.