من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٣٥ - ولسوف يعطيك ربك فترضى
شرفة من إيوان كسرى، وغاضت بحيرة ساوة، وفاضت بحيرة سماوة، وانطفأت نار المجوس بعد مئات السنين من اشتعالها. وقرن الله به منذ ولادته ملكا يسلك به طريق المكارم، قال الإمام أمير المؤمنين عليه السلام
[ولَقَدْ قَرَنَ اللهُ بِهِ صلى الله عليه واله مِنْ لَدُنْ أَنْ كَانَ فَطِيماً أَعْظَمَ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَتِهِ يَسْلُكُ بِهِ طَرِيقَ الْمَكَارِمِ ومَحَاسِنَ أَخْلَاقِ الْعَالَمِ لَيْلَهُ ونَهَارَهُ]
[١]. وهكذا أدبه الله فأحسن تأديبه كما قال صلى الله عليه واله عن نفسه.
إلا إن ذلك كله لا يعني أن القرآن من وحي نفسه بل إنه كان غافلا عن القرآن من قبل أن يقضي إليه وحيه، لذلك قال سبحانه وَإِنْ كُنتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنْ الْغَافِلِينَ [يوسف: ٣] وقال وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ [العنكبوت: ٤٨] وقال وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا [الشورى: ٥٢]. وبهذا المفهوم كان الرسول ضالا عن الشريعة الجديدة، وليس ضالا عن أية شريعة، وعن الهدى الجديد لا عن أي هدى. هكذا قال بعض المفسرين. بينما نجد تفسيرا آخر ينسجم مع مقام الرسول: أنه كان ضالة العالمين، يبحثون عنه، فهدى الله إليه الناس، وهذا تفسير أهل البيت عليهم السلام، وهو إن لم يكن تفسير ظاهر القرآن فلا ريب أنه تفسير بطن من بطونه، أوليس للقرآن سبعة أبطن؟ هكذا روي عن الإمام الرضا عليه السلام في قوله: [أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى
قَالَ: [فًرَداً لَا مَثِيلَ لَك فِي المَخْلُوقِين، فَآوَى الناسُ إِلَيْك
وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى
أَي ضَالًا فِي قَوْمٍ لَا يَعْرِفُونَ فَضْلكَ فَهَدَاهُم إِلَيْكَ
وَوَجَدَكَ عَائِلًا
تَعُولُ أَقْواماً بِالعلْمِ فَأَغْنَاهُم الله بِك]
[٢]. وهناك تفسيرات أخرى للآية تعكس اهتمام المؤمنين بمقام الرسول صلى الله عليه واله وعدم نسبة الضلالة إليه كأن يكون الضلال بمعنى الضياع عن الطريق في طفولته، أو عندما سافر إلى الشام للتجارة، ولكن التفسيرين الأولين أولى.
[٨] وكان الرسول يعيش في قبيلة بني هاشم، التي كانت تتميز بالسؤدد، والخلق الرفيع، وتعتبر المرجع الديني في مكة المكرمة، ولكنها لم تكن ذا مال كبير وبالذات أبو طالب الذي أصبح شيخ بني هاشم بعد عبد المطلب بالرغم من فقره حتى قيل: ما ساد فقير إلا أبو طالب، ومن المعروف تاريخيا أنه عليه السلام قبل بتكفل أولاده من قبل إخوته لضيق ذات يده. ولكن الله من على الرسول بالسعة، حيث آمنت به واحدة من أثرى قريش وهي خديجة بنت خويلد التي تزوجها الرسول صلى الله عليه واله فأصبح غنيا بفضل الله. وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى وقد مضى تفسير آخر للآية: أن الرسول كان يعيل الناس، فأغناهم الله بعلم الرسول وهداه.
[١] نهج البلاغة: خطبة: ١٩٢.
[٢] تفسير نور الثقلين: ج ٥، ص ٥٩٥.