من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٣٣ - ولسوف يعطيك ربك فترضى
وهذه الأسباب متداخلة، فقد يكون سبب تأخير الوحي الظاهر أكثر من سبب واحد، وأنى كان فقد امتحن المؤمنون، وزاد شوق الرسول إلى الوحي، كما ذهبت إشاعات المشركين أدراج الرياح، وعرف الناس أن كلامهم باطل، وأمرهم فرط.
[٤] وكما يتفجر ضحى الشمس بعد ليل ساج، وكما يتنزل الوحي بعد انقطاع وانتظار كذلك الآخرة التي تتأخر زمنيا عن الأولى خير وأبقى، وعلى المؤمن ألا يستعجل النتائج فقد يكون في تأخيرها مصلحة كبرى. وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنْ الأُولَى قيل: [أن له في الجنة ألف ألف قصر من اللؤلؤ ترابه من المسك، وفي كل قصر ما ينبغي له من الأزواج والخدم، وما يشتهي، على أتم الوصف] [١]. وقال بعضهم: [الآخرة تعني المستقبل، وفيها بشارة للنبي بأنه سيفتح له فتحا مبينا].
[٥] ويبدو لي أن أعظم ما بشر به النبي لقاء جهاده في الله، وعنائه الشديد الذي فاق عناء الأنبياء جميعا كانت الشفاعة، ذلك أن قلبه الكبير كان ينبض بحب الإنسان، وهدفه الأسمى كان إنقاذ البشرية من إصر الشرك والجهل وأغلال العبودية والتخلف والفقر والمرض، وحتى في يوم القيامة حيث كان يقول جميع الناس والأنبياء معهم: نفسي نفسي، ترى رسول الله صلى الله عليه واله يدعو ربه بالشفاعة ويقول: أمتي أمتي، وفي أشد لحظات حياته عندما نزلت به سكرات الموت كان يقول لقابض روحه: شدد علي وخفف عن أمتي. إن هذا القلب الكبير لا يملؤه إلا حب الله وحب عباده، ولا يرضيه سوى إنقاذ عباد الله في الدنيا من الضلال بالدعوة والجهاد، وفي الآخرة من النار بالشفاعة، ولذلك جاءت الآية التالية تفسيرا للآية السابقة وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى وماذا يرضي الرسول غير الشفاعة في أمته؟ من هنا جاءت الرواية المأثورة عن الإمام علي عليه السلام حيث قال
[قَالَ: رَسُولُ الله صلى الله عليه واله: يُشَفِعُنِي الله فِي أُمتِي حَتَى يَقُولُ الله سُبْحَانَهُ لِي: رَضِيتَ يَا مُحمد! فَأَقُولُ يَا رَب رَضِيت]
[٢]. وروي عنه عليه السلام قال
[قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه واله أَشفَعُ لأُمتي حَتَى يُنَادِي رَبي رَضِيتَ يَا مُحمد فَأَقُولُ رَب رَضِيت. ثُم قَالَ إِنَّكُم مَعْشر أَهْلِ العِرَاق تَقُولون إِنَّ أَرجَى آية فِي القُرآن
يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ [الزمر: ٥٣]
قُلتُ إِنا لَنَقُولُ ذَلِكَ. قَالَ وَلَكِنا أَهْل البَيْت، نَقُولُ إِنَّ أَرْجَى آيةً فِي كِتَابِ الله [قَوْلَهُ تَعَالى]
وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى
وَهيَ الشفَاعَة]
[٣]. وفي حديث آخر
[وَهيَ وَالله الشفاعةُ لَيُعْطِينها فِي أَهْلِ لا إله إلا الله حَتى يَقُولُ: رَب رَضيت][٤].
[١] مجمع البيان: ج ١٠، ص ٦٤٤.
[٢] القرطبي: ج ٢٠، ص ٩٥.
[٣] شواهد التنزيل: ج ٢، ٤٤٦.
[٤] تفسير نور الثقلين: ج ٥ ص ٥٩٥.