من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٢٣ - إن سعيكم لشتى
يتهرب العصاة عن حدود مملكته وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأُولَى إن العصاة يتكلون على أنفسهم، ويزعمون أن هامش الاختيار والامتلاك الذي أوتوا يوفر لهم إمكانية تحدي مالكهم ومليك السموات والأرض، ولكنهم في ضلال بعيد، فالله هو مالك الدنيا كما هو ملك الآخرة، ولذلك بيده أمرهم وجزاؤهم في الدارين جميعا.
[١٤] ولذلك فهو يعاقبهم في الدنيا بتسهيل سبيل العسر لهم، واستدراجهم فيه بسوء اختيارهم له، ويعاقبهم في الآخرة بنار تتقد وتبتلع الأشقياء. فَأَنْذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى إنها نار ملتهبة، تنتظر كل الأشقياء، وعلينا الحذر منها، لأن الله قد أنذرنا جميعا، فلا يقولن أحد: أنا بعيد لأني أملك مالًا، أو جاهاً، أو أنتمي- ظاهراً- إلى دين الإسلام، أو إلى الرسول صلى الله عليه واله وآل بيته عليهم السلام. كلا .. إنما يتقي النار من اتقى الله في الدنيا.
[١٥] أما الأشقى فإنه يحترق بلهيبها، ويصطلي بحرها لأنه لم يصنع لنفسه من دونها سترا من الإيمان وصالح الأعمال. لا يَصْلاهَا إِلَّا الأَشْقَى.
[١٦] وعلامة الأشقى الكفر بالرسالة، وعصيان الشريعة. الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى يبدو أن التكذيب حالة نفسية وعقلية، بينما التولي حالة عملية، أي كذب بقلبه ولسانه، وتولى بعمله ومواقفه.
[١٧] أما الذي اتقى الله- فقد اتقى نار غضبه. صلاته تقيه، صومه يجنبه، إنفاقه يستره، نيته الصالحة تحميه من تلك النار المتقدة. وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى ولماذا لم يقل ربنا: التقي، ربما لأن التقي الذي لم يبلغ مستوى الأَتْقَى كان قد ارتكب بعض الخطايا فاستحق به لهبا من النار بقدرها إن لم يغفرها الله له، وقد قال ربنا سبحانه وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [التوبة: ١٠٦]. وهكذا الذي شقي ببعض الموبقات قد يغفر الله له كما قال سبحانه إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً [النساء: ٤٨] وإلى ذلك تشير الرواية المأثورة عن الإمام الباقر عليه السلام
[النِّيرَانُ بَعْضُهَا دُونَ بَعْض]
[١]. وهكذا يبين السياق حالتين متقابلتين تماما لتكونا- كما الليل يقابل النهار- مثلًا لاختلاف السعي.
[١٨] ومن أبرز صفات الأَتْقَى التصدق بماله لكي يطهر قلبه من الشح والبخل وحب الدنيا. الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى كل من يملك مالًا ينفقه، ولكن أكثرهم ينفقون أموالهم، ثم تكون عليهم حسرة، لأنهم لا يبحثون عن الزكاة، ونقاوة القلب بقدر ما يبحثون عن الذات
[١] بحار الأنوار: ج ٨، ص ٣١٣، تفسير القمي: ج ٢ ص ٤٢٦.