من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٢٥ - إن سعيكم لشتى
شيء مما قدر سبحانه، وأن العباد مكرهون على ما يفعلون، وأن الله يجازيهم بغير صنع منهم في أفعالهم أو مشيئته. ومنشأ هذا الخلط تطرف بعض المؤمنين ضد نظرية التفويض للقدرية التي زعمت أن الله ترك عباده لشأنهم، دون أن يأمر أو ينهي أو يقدر شيئا.
والنظرية القاصدة هي الوسطى التي فاتت الكثير من المفسرين، وهي التي تصرح بها آيات الله، والتي هي لب الشريعة وخلاصة الرسالات الإلهية وهي: أن الله قضى وقدر، وكان مما قضى حرية الإنسان في حدود مشيئته، ومسؤوليتهم عن أفعالهم، وأنه سبحانه هو الذي منح العبادة قدرة المشيئة، كما أعطاهم سائر القدرات ليفتنهم فيها، وبين لهم الخير والشر وألهمهم الفجور والتقوى.
والرسول صلى الله عليه واله بين ذلك، ولكن الناس فسروا كلام الرسول بالخطأ كما فسروا القرآن كذلك، فالرواية السابقة- مثلًا- لا تخطئ القرآن في مدلولها، إذ إن الرسول بين أن الله قد قضى عليهم ما ألهمهم من الفجور والتقوى، فإن فجروا فبإذنه (لا بأمره ولا بفعله) وأن اتقوا فبإذنه وبأمره (لا بفعله).
وكذلك النص التالي إنما يدل على أن الله سبحانه لم يترك عباده سدى. وفي النص- كما نقرأه- تصريح بضرورة السعي والكدح، وإذا كان كل شيء قد تم فلم السعي، ولماذا الكدح؟
جاء في الصحيحين والترمذي عن الإمام علي عليه السلام قال
[كُنَّا فِي جَنَازَةٍ بِالبَقِيع، فَأَتَى النبيُ صلى الله عليه واله فَجَلَسَ وَجَلَسْنَا مَعَهُ، وَمَعَهُ عُود يَنَكُتُ بِهِ في الأرْضِ. فَرَفَعَ رَأْسَهُ إلى السَمَاءِ فَقَالَ: مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إِلَّا قَدْ كتبَ مَدْخلهَا. فَقَالَ القَوْمُ: يَا رَسُول الله! أَفَلا نَتَكِل عَلَى كِتَابنا، فَمَن كَانَ مِنْ أَهْلِ السَعَادَةِ فَإِنَّهُ يَعْمَلُ للسَعادَةِ. وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشقَاءِ فَإنَّهُ يَعْمَلُ للشَقَاءِ؟ قَالَ: اعْمَلُوا فَكُلٌ مُيسَر. أَما مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السعَادَةِ فَإنهُ يُيَسر لِعَمَل السعَادَةِ، وَأَما مَنْ كَانَ أَهْل الشقَاءِ فَإنه ييسر لعمل الشقاء. ثم قرأ
فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى] [١].
ماذا نفهم من هذا الحديث؟ هل الجبر أم المسؤولية؟ إن تلاوة الرسول للآية تدل على أنه صلى الله عليه واله حرضنا للعطاء والبذل، ولكنه ربط العاقبة بأمر الله، بلى، لسنا نحن الذين نقرر السعادة والشقاء، وإنما الله سبحانه ولكن بأعمالنا وبما نختاره، أولم يقل سبحانه كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ [المدثر: ٣٨] وقال إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى فنسب السعي إلى الإنسان، والرسول رفض فكرة الجبر، والاتكال على الكتاب الذي لا يفيد فيه حسب زعمهم.
[١] صحيح البخاري: ج ٢، ص ٩٩، صحيح مسلم: ج ٨، ص ٤٧، سنن الترمذي: ج ٥، ص ١١٢.