من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤١٤ - قل هو الله أحد
التي لا زالت معه منذ الأزل، والتي هي طينة إبليس؟! كلا .. أنه سبحانه هو خالق إبليس، ومهيمن عليه، فلا يجوز لنا عقلا عبادة إبليس واحدا من إلهين. وأسطورة النور والظلمة، وأنهما إلهان قديمان، وأن الظلمة دخلت في النور، أو أن النور دخلها وجاء هذا الخلق من تركيبهما كما تقول المانوية. إنها هي الأخرى ناشئة من الجهل بالله وبقدرته التي لا تحد ولا تقيد، وكيف يعجز رب يوصف بالقدرة، وتتجلى قدرته في هذه الكائنات العجيبة، كيف يعجز عن السيطرة على الظلام سبحانه؟! بل هو الذي جعل النور والظلمات بقدرته؟.
وهكذا الأساطير التي كانت وراء عبادة غير الله، والتي دخلت في الديانات السماوية أيضا مثل: الاعتقاد بأن للكائنات آلهة صغارا ولدها الإله الأكبر، هم بمثابة أبنائه وبناته سبحانه، بعضهم أقرب إليه من بعض، وأن على الناس التقرب إليهم، وإقامة تماثيل لهم، ولتحل فيها أرواحهم، وهذه هي منشأ خرافة عبادة الأصنام منذ كانت وإلى عصرنا الحالي. إن كل هذه الأساطير نشأت من الجهل بمقام الألوهية وإن خالق السموات والأرض، وما فيهن وما بينهن لن يكون عاجزا أو محدودا سبحانه! وإنه لو كانت معه طينة أبدية لكانت تلك هي الأخرى في مقام الربوبية، مقتدرة عالمة، ولكن كيف تجتمع قدرتان مطلقتان متضادتان، لا تستطيع إحداهما القضاء على الثانية. وبالتفكر في صنع الله وعظيم قدرته تتلاشى هذه الأساطير الزائفة، وتتجلى للإنسان قدرة الله غير المحدودة، التي تظهر في خلقه وفي النظام الذي أجراه في العالم، كما يظهر بوضوح أن هذا النظام وهذا الخلق ليسا بالإلهين من دونه، يعبدان، كما فعلت الجاهلية الحديثة التي استسلمت وعبدت المادة وقوانينها، وهما من خلق الله، وتتجلى بهما عظمته وقدرته سبحانه.
[٢] ومن مظاهر الأحدية، الصمدية التي تشير إلى حقائق شتى تجمعها بصيرة واحدة هي أن الله بلا أعضاء وأجزاء، ولا حالات تطرأ عليه سبحانه اللَّهُ الصَّمَدُ هكذا فسر الإمام الحسين بن علي عليه السلام كلمة الصمد حيث قال
[الصَّمَدُ الَّذِي لَا جَوْفَ لَهُ، وَالصَّمَدُ الَّذِي قَدِ انْتَهَى سُؤْدُدُهُ، وَالصَّمَدُ الَّذِي لَا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ، وَالصَّمَدُ الَّذِي لَا يَنَامُ، وَالصَّمَدُ الدَّائِمُ الَّذِي لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَال]
[١]. وروي عن الإمام الباقر عليه السلام أنه قال
[كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ رضي الله عنه يَقُولُ: الصَّمَدُ الْقَائِمُ بِنَفْسِهِ الْغَنِيُّ عَنْ غَيْرِه] [٢].
وقد ذُكر لكلمة الصمد زهاء عشرين معنى: إلا إن أمثلها الذي ترجع إليه سائرها: المصمت، الذي لا جوف له، ومنه الصمود والصامد، ولأن السيد العظيم يوصف بالشجاعة
[١] بحار الأنوار: ج ٣، ص ٢٢٣.
[٢] التوحيد: ص ٩٠.