من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٩٢ - إن ربك لبالمرصاد
وَعُقُوبَاتِهَا وَمَا يَجْرِي فِيهَا مِنَ المَكَارِهِ عَلَى أَهْلِهَا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ بَلاءٌ وَمَكْرُوه قَلِيلٌ مَكْثُه يَسِيرٌ بَقَاؤه قَصِيرٌ مُدَّتُه فَكَيْفَ احْتِمَالي لِبَلاءِ الآخِرَةِ وَحُلولِ [وَجَليلِ] وُقُوعِ المَكَارِهِ فِيهَا وَهْوَ بَلاءٌ تَطُولُ مُدَّتُه وَيَدُومُ مَقَامُه وَلا يُخَفف عَنْ أَهْلِه لأَنَّهُ لا يَكُونُ إلَّا عَنْ غَضَبِكَ وَانْتِقَامِك وَسَخْطِك وَهَذَا مَا لَا تَقُومُ لَهُ السمَاواتِ وَالأرضِ يَا سَيِّدي فَكَيْفَ بِي وَأَنَا عَبْدُكَ الضعِيفُ الذَليلُ الحَقِيرُ المِسْكِينُ المُسْتَكِين] [١].
[٢٦] كما لا شيء يشبه سجن الله ووثاقه. وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ أي لا يشد أحد وثاقاً بذات الشدة التي يشد الله وثاق الكفار.
[٢٧] أهذا خير، أم مصير المؤمنين الذين قدموا لحياتهم فعمروا آخرتهم، فاطمأنت نفوسهم بسكينة الإيمان، وتساموا فوق مؤثرات المادة؟ فربما ملكوها ولكنها لم تمتلكهم أبداً، فعاشوا أحرارا، وماتوا سعداء، إذا استقبلهم ملك الموت فبترحاب، ونودوا في أول ساعة من حياتهم الأبدية بالبشرى. يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ يعيش المؤمن بين الخوف والرجاء، فإن دعاه إلى الخوف إحساسه بالتفريط في جنب الله، فقد دعاه إلى الرجاء يقينه بعظيم عفو الله وواسع رحمته. كل خوفه من العاقبة السوأى، ومن ألا يتقبل الله حسناته، ولا يتجاوز عن سيئاته، ومن أن يتبين في ساعة الرحيل أن حساباته كانت خاطئة، وأنه ليس كما كان يرجو من أصحاب الجنة. أولم تسمع مناجاة الإمام السجاد علي بن الحسين عليه السلام
[لَيْتَ شِعْرِي أَلِلشَّقَاءِ وَلَدَتْنِي أُمِّي أَمْ لِلْعَنَاءِ رَبَّتْنِي فَلَيْتَهَا لَمْ تَلِدْنِي وَلَمْ تُرَبِّنِي وَلَيْتَنِي عَلِمْتُ أَمِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ جَعَلْتَنِي وَبِقُرْبِكَ وَجِوَارِكَ خَصَصْتَنِي فَتَقِرَّ بِذَلِكَ عَيْنِي وَتَطْمَئِنَّ لَهُ نَفْسِي] [٢].
[٢٨] فإذا جاءه النداء الإلهي عند وفاته يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ استراح، وشملته البشرى، وعمه الفرح .. هنالك يستطيب الموت لأنه عودة العبد الكريم إلى الرب الرحيم الذي يستضيفه بالقول ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً لقد اطمأنت أنفسهم إلى بارئها، وتوكلوا على الله، وسلموا لقدره وقضائه، ولم يبطرهم الغنى، وما اعتبروه صك الغفران، ولم يهزمهم الفقر، وما اعتبروه لعنة إلهية .. لذلك فإن الله يرضيهم بنعيم الأبد، وينبئهم بأنهم مرضيون، وما أحلى ساعة اللقاء بحبيبهم وأنيسهم، وما أروع كلمات الود المتبادلة، جاء في الحديث القدسي عن الله عز وجل أنه قال في حق الزاهدين وأهل الخير وأهل الآخرة
[فَوَ عِزَّتِي وَجَلَالِي لَأُحْيِيَنَّهُمْ حَيَاةً طَيِّبَةً إِذَا فَارَقَتْ أَرْوَاحُهُمْ مِنْ أَجْسَادِهِمْ لَا أُسَلِّطُ عَلَيْهِمْ مَلَكَ الْمَوْتِ وَلَا يَلِي قَبْضَ رُوحِهِمْ غَيْرِي وَلَأَفْتَحَنَّ لِرُوحِهِمْ أَبْوَابَ السَّمَاءِ كُلَّهَا وَلَأَرْفَعَنَّ الْحُجُبَ كُلَّهَا دُونِي وَلَآمُرَنَ
[١] المصباح للكفعمي: ص ٥٥٧، من دعاء كميل
[٢] الصحيفة السجادية: مناجاة الخائفين.