من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٦٤ - إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى
في ليلة القدر حين أُنزل الكتاب كله، وبين ما نزل منجماً خلال ثلاث وعشرين عاما من دعوة الرسول صلى الله عليه واله.
من هنا جاء في الحديث: عن الإمام الصادق عليه السلام
[أَوَّلُ مَا نَزَلَ عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه واله بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ
وآخِرُهُ
إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ] [١].
والسؤال: ما هي دلالات هذه الكلمة الأولى من الوحي؟.
لعل الوحي كان يفتتح على البشرية عهد القراءة باعتبارها ظاهرة ملازمة للإنسان بعد عهد النبي صلى الله عليه واله وفعلا وبالرغم من وجود ظاهرة الكتابة منذ مئات السنين قبل الإسلام إلا إنها انتشرت بالإسلام بصورة مطردة حتى أصبحت اليوم سمة الإنسان الظاهرة. والقراءة أشد وضوحا من الاستماع، لأنها تفرض التفاعل بين الإنسان والنص الذي يتلى عليه أكثر من مجرد الاستماع إليه، وربما سمي لذلك كتاب ربنا بالقرآن. ولكن القراءة ليست مطلوبة بصفة عامة إنما التي تكون باسم الله، لماذا؟ لأن اسم الله يحدد الهدف من القراءة. لا يكون من أجل التعالي على الناس، وخدمة الطغاة وتضليل السذج من الناس، بل تكون من أجل تزكية النفس، وخدمة الناس وهدايتهم. وحين يكون العلم- ووسيلته القراءة- باسم الله ترى الملوك صافين على أبواب العلماء، والناس ملتفون حولهم، وهم يقودونهم في معاركهم ضد المترفين والمستكبرين.
[٢] لقد خلق الله الإنسان من علقة، من دم جامد يعلق، ومن قبل خلقه من ماء مهين، ثم أكرمه حتى فضله على كثير مما خلق تفضيلا. أية نقلة عظيمة كانت بين حالته كعلقة ودم، وبينه كإنسان يمشي سويا على قدميه؟ إن من يعرف قليلا عن خلقة الإنسان وما أودع الله في جسده وروحه من آيات عظمته لا بد أن ينبهر بتلك النقلة العظيمة أليس كذلك؟ ولكن نقلة عظيمة أخرى تنتظره الآن، هذه المرة لا بد أن تتم هذه النقلة بعزيمة من عنده ورحمة من ربه. هي النقلة الحضارية بين إنسان أمي وآخر يقرأ باسم ربه، ولعله لذلك جاءت الآية تذكرنا بأصل خلقه الإنسان. خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ ومن شك في قدرته على أن يسمو إلى درجات عالية فلينظر إلى نعمة الله كيف خلقه من علقة، إنه قادر على أن يبعثه خلقا آخر بالعلم والهدى.
[٣] تعال نفكر في أبعاد القراءة: كيف علم الله الإنسان الكتابة فأخذ ينقل تجاربه من جيل لآخر، ومن أمة لأخرى، وتراكمت التجارب حتى أضحت اليوم سيلا متدفقا لا تكاد قنواتها العلمية على سعتها تقدر على استيعابها. أرأيت لو لم يعلم الإنسان الكتابة هل كان إلا
[١] الكافي: ج ٢، ص ٦٢٨.