من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٦٥ - إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى
مثل فصيل من القردة أو من الأنعام. سبحان الله! إنك ترانا لازلنا نكفر بنعمة الله، بل كلما زادت نعم الله على البشر كلما ازدادوا كفراً بها وطغيانا، فمن أجل ألا يصبح العلم سببا للطغيان، وأداة للظلم والفساد يذكرنا الرب بأنه متى تقدم البشر في آفاق العلم فعليه أن يشكر ربه، ويعترف بأن الله هو الأكرم، لأنه علم بالقلم، ولم يكن الإنسان شيئا لو لم يعلمه ربه. اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ كما نقول: كُل واحمد الله، أو أصبر وربك الكريم، أو أعط والله يخلف على المنفقين، كذلك- فيما يبدو لي- ذكرتنا الآية بأن الله هو الأكرم، فأي صفة حميدة هي منه، فهو الجواد الذي أعطى الإنسان موهبة القلم، وهو الأعلى الذي لا يتسامى أحد في مدارج العلم والكمال إلا به.
[٤] ومن آيات كرمه وحمده أنه علم الإنسان بسبب القلم فلم يكن القلم سوى وسيلة، أرأيت لو قررت أن تعلم الجدار هل يتعلم شيئا؟! أوليس لأنه ليس بذي أهل للتعلم؟ كذلك كلما تقدم الإنسان في حقول العلم لا بد أن يزداد لربه تواضعا، ولا يصبح كفراعنة المال يطغون في الأرض ويسعون فيها فسادا. الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ.
[٥] عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ وهكذا جاءت النصوص تترى في ضرورة التواضع والزهد عند العلماء: فقد جاء في حديث مأثور عن الإمام الصادق عليه السلام
[وتَوَاضَعُوا لِمَنْ تُعَلِّمُونَهُ الْعِلْمَ وتَوَاضَعُوا لِمَنْ طَلَبْتُمْ مِنْهُ الْعِلْمَ ولَا تَكُونُوا عُلَمَاءَ جَبَّارِينَ فَيَذْهَبَ بَاطِلُكُمْ بِحَقِّكُمْ]
[١]. وعن البرقي مرفوعاً إلى أمير المؤمنين عليه السلام قال
[قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ عليه السلام يَا مَعْشَرَ الْحَوَارِيِّينَ لِي إِلَيْكُمْ حَاجَةٌ اقْضُوهَا لي قَالُوا قُضِيَتْ حَاجَتُكَ يَا رُوحَ الله فَقَامَ فَغَسَلَ أَقْدَامَهُمْ.
فَقَالُوا كُنَّا نَحْنُ أَحَقَّ بِهَذَا يَا رُوحَ الله فَقَالَ إِنَّ أَحَقَّ النَّاسِ بِالْخِدْمَةِ الْعَالِمُ إِنَّمَا تَوَاضَعْتُ هَكَذَا لِكَيْمَا تَتَوَاضَعُوا بَعْدِي فِي النَّاسِ كَتَوَاضُعِي لَكُمْ ثُمَّ قَالَ عِيسَى عليه السلام بِالتَّوَاضُعِ تُعْمَرُ الْحِكْمَةُ لَا بِالتَّكَبُّرِ وكَذَلِكَ فِي السَّهْلِ يَنْبُتُ الزَّرْعُ لَا فِي الْجَبَلِ] [٢].
[٦] ومشكلة الإنسان أنه لا يستوعب نعم الله، فيطغى بها ويهلك نفسه بذلك وقد يهلك الآخرين معه. أرأيت لو أعطيت قنبلة نووية لمن لا يعرف كيف يتصرف بها فطغى بها، أو يكون في ذلك خير أم شر مستطير؟ كَلَّا إن الإنسان ليس بطبعه في مستوى استيعاب هذه الحقيقة، وهي أن العلم من عند الله وعليه ألا يطغى به، أو أن المال من عنده سبحانه، وعليه أن يتصرف فيه كما يريده الله. إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى.
[٧] متى يطغى؟ عندما يحس أنه أصبح غنيا. أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى أي رأى نفسه قد استغنى،
[١] الكافي: ج ١، ص ٣٦.
[٢] الكافي: ج ١، ص ٣٧.