من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٣٢ - ألهاكم التكاثر
[٧] أوليس الأحجى بنا والأحرى أن نؤمن بها ونحن بعيدون عنها، وقبل أن نردها ثم لا نصدر منها؟! ثُمَّ لَتَرَوْنَهَا عَيْنَ الْيَقِينِ قالوا: إن الآية تشير إلى أن كل البشر يردون النار أو يمرون عليها. لقوله سبحانه وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً [مريم: ٧١]. فيمر عليها بعضهم كالبرق، وبعضهم كالريح وبعضهم كالطير، ويتباطأ بعضهم بذنوبه حتى يحترق بنارها قليلا، وبينما يغط بعضهم فيها ويمكث المذنب فيها بقدر ذنبه، قبل أن يتطهر كليا ويدخل الجنة، ومنهم الخالدون فيها أبدا والعياذ بالله.
[٨] لكي لا يلهينا عن الآخرة التكاثر بحطام الدنيا لا بد أن نعرف أننا مسؤولون يومئذ عن النعيم، وكلما زادت نعم الله علينا طال وقوفنا للحساب عند ربنا، فهل نملك الجواب الصائب؟! يقال: أن النبي سليمان يختلف عن إخوانه الأنبياء ألف عام يوقف للحساب، يسأل عن ملكه ونعيمه بينما هم يتنعمون في الجنة.
قالت أم كلثوم بنت أمير المؤمنين عليه السلام
[لَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ تِسْعَ عَشْرَةَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ قَدَّمَتْ إِلَيْهِ عِنْدَ إِفْطَارِهِ طَبَقاً فِيهِ قُرْصَانِ مِنْ خُبْزِ الشَّعِير، وَقَصْعَةٌ فِيهَا لَبَنٌ وَمِلْحٌ جَرِيشٌ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ أَقْبَلَ عَلَى فَطُورِهِ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ، وَتَأَمَّلَهُ حَرَّكَ رَأْسَهُ، وَبَكَى بُكَاءً شَدِيداً عَالِياً وَقَالَ يَا بُنَيَّةِ مَا ظَنَنْتُ أَنَّ بِنْتاً تَسُوءُ أَبَاهَا كَمَا قَدْ أَسَأْتِ أَنْتِ إِلَيَّ، قَالَتْ وَمَا ذَا يَا أَبَاهْ، قَالَ يَا بُنَيَّةِ أَتُقَدِّمِينَ إِلَى أَبِيكِ إِدَامَيْنِ فِي فَرْدِ طَبَقٍ وَاحِدٍ، أَتُرِيدِينَ أَنْ يَطُولَ وُقُوفِي غَداً بَيْنَ يَدَيِ الله عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
أَنَا أُرِيدُ أَنْ أَتْبَعَ أَخِي وَابْنَ عَمِّي رَسُولَ الله صلى الله عليه واله مَا قُدِّمَ إِلَيْهِ إِدَامَانِ فِي طَبَقٍ وَاحِدٍ إِلَى أَنْ قَبَضَهُ اللهُ، يَا بُنَيَّةِ مَا مِنْ رَجُلٍ طَابَ مَطْعَمُهُ وَمَشْرَبُهُ وَمَلْبَسُهُ إِلَّا طَالَ وُقُوفُهُ بَيْنَ يَدَيِ الله عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَا بُنَيَّةِ إِنَّ الدُّنْيَا فِي حَلَالِهَا حِسَابٌ، وَفِي حَرَامِهَا عِقَابٌ، وَقَدْ أَخْبَرَنِي حَبِيبِي رَسُولُ الله صلى الله عليه واله أَنَّ جَبْرَئِيلَ عليه السلام نَزَلَ إِلَيْهِ وَمَعَهُ مَفَاتِيحُ كُنُوزِ الْأَرْضِ، وَقَالَ يَا مُحَمَّدُ السَّلَامُ يُقْرِئُكَ السَّلَامَ وَيَقُولُ لَكَ إِنْ شِئْتَ صَيَّرْتَ مَعَكَ جِبَالَ تِهَامَةَ ذَهَباً وَفِضَّةً وَخُذْ هَذِهِ مَفَاتِيحَ كُنُوزِ الْأَرْضِ، وَلَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ حَظِّكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قَالَ يَا جَبْرَئِيلُ وَمَا يَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ قَالَ الْمَوْتُ.
فَقَالَ إِذاً لَا حَاجَةَ لِي فِي الدُّنْيَا دَعْنِي أَجُوعُ يَوْماً، وَأَشْبَعُ يَوْماً فَالْيَوْمَ الَّذِي أَجُوعُ فِيهِ أَتَضَرَّعُ إِلَى رَبِّي، وَأَسْأَلُهُ وَالْيَوْمَ الَّذِي أَشْبَعُ فِيهِ أَشْكُرُ رَبِّي وَأَحْمَدُهُ فَقَالَ لَهُ جَبْرَئِيلُ وُفِّقْتَ لِكُلِّ خَيْرٍ يَا مُحَمَّدُ. ثُمَّ قَالَ عليه السلام يَا بُنَيَّةِ الدُّنْيَا دَارُ غُرُورٍ وَدَارُ هَوَانٍ فَمَنْ قَدَّمَ شَيْئاً وَجَدَهُ يَا بُنَيَّةِ وَالله لَا آكُلُ شَيْئاً حَتَّى تَرْفَعِينَ أَحَدَ الْإِدَامَيْنِ فَلَمَّا رَفَعَتْهُ تَقَدَّمَ إِلَى الطَّعَامِ فَأَكَلَ قُرْصاً وَاحِداً بِالْمِلْحِ الْجَرِيشِ، ثُمَّ حَمِدَ الله وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَامَ إِلَى صَلَاتِهِ فَصَلَّى][١].
[١] بحار الأنوار: ج ٤٢ ص ٢٧٦.