من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٣٠ - ألهاكم التكاثر
أتباعهم على مثل ذلك، هكذا جاء في الحديث
[كَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ عليه السلام
(الإمام زين العابدين)
يُطِيلُ الْقُعُودَ بَعْدَ الْمَغْرِبِ يَسْأَلُ الله الْيَقِينَ]
[١]. وروي عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال في خطبة له
[أَيُّهَا النَّاسُ سَلُوا الله الْيَقِينَ وارْغَبُوا إِلَيْهِ فِي الْعَافِيَةِ فَإِنَّ أَجَلَّ النِّعْمَةِ الْعَافِيَةُ وخَيْرَ مَا دَارَ فِي الْقَلْبِ الْيَقِينُ والْمَغْبُونُ مَنْ غُبِنَ دِينُهُ والْمَغْبُوطُ مَنْ غُبِطَ يَقِينُهُ] [٢].
ولا يبلغ الإنسان درجة اليقين إلا بعد العروج في درجات التسليم والإيمان والتقوى وكلها تقتضي المزيد من العمل الصالح والخالص لوجه الله والمنبث على سائر جوارح البدن، وجوانح النفس، وحتى بعد الحصول على اليقين عليه أن يسعى جاهدا حتى يتجاوز عقد الشك والارتياب بالتفكر والتعلم والدعاء. ألا ترى كيف سعى إبراهيم عليه السلام نحو اليقين حين سأل ربه سبحانه قائلا رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى. فلما قال له ربه قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة: ٢٦٠]. ولم يكن في قلبه ذرة شك ولكنه حسب حديث مأثور عن الإمام الرضا عليه السلام
[أَرَادَ مِنَ الله الزِّيَادَةَ فِي يَقِينِهِ] [٣].
وعلامة صدق اليقين دوام الاستقامة على صراط الحق، وألا يتخذ الإنسان وليجة من دون الله ورسوله، ويكون مستعدا لكل تضحية وفي كل موقع. أولا سمعت قصة الأعرابي الذي جاء إلى رسول الله وقال: [يَا رَسُولَ الله بَايِعْنِي عَلَى الْإِسْلَامِ، فَقَالَ صلى الله عليه واله
عَلَى أَنْ تَقْتُلَ أَبَاكَ.
فَكَفَّ الْأَعْرَابِيُّ يَدَهُ وَأَقْبَلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه واله عَلَى الْقَوْمِ يُحَدِّثُهُم] [٤].
وقد بين بعضهم درجات اليقين حسب فهمه بثلاث
ألف: علم اليقين، وضرب مثلا له كمن يعلم بوجود النار لما يراه من ضوئها أو دخانها.
باء: حق اليقين، ومثله كمن يرى النار بعينه مشاهدة.
جيم: عين اليقين، مثل الذي يلامس النار فيحس حرارتها.
وهذا- حسب ما يبدو لي- مجرد أمثلة، وإلا فقد يكون يقين من يعلم بوجود النار بسبب علائمها أشد من الذي يلامسها؛ لأن قلبه أوعى لحقيقتها من صاحبه. أرأيت الطبيب قد يكون أفقه بحالة المريض وخصائص دائه من المريض ذاته، ولذلك جاء في الحديث
[رُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ]
[٥] ولا ريب أن هناك في المسلمين الأواخر من كان أشد يقينا بصدق الرسالة من
[١] مستدرك الوسائل: ج ٥ ص ٩٨.
[٢] مستدرك الوسائل: ج ١١ ص ١٩٥.
[٣] مستدرك الوسائل: ج ١١ ص ١٩٥.
[٤] تفسير العياشي: ج ٢ ص ٨٣.
[٥] الكافي: ج ١، ص ٤٠١.