من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٥٧ - سبح اسم ربك الأعلى
الكتاب أو صريح القرآن بأن بيان النبي صلى الله عليه واله بيانٌ وليس نقضا له .. أليس تجويز النسخ هو جعل السنة مهيمنة على القرآن؟.
ثالثاً: أنّ هذا القول هو نفس القول بالتحريف، وتفسير هذا النوع من التحريف بنسخ التلاوة والحكم تلاعب بالألفاظ وتعبير آخر للتحريف.
إنّ الله سبحانه يصف كتابه بأنّه كتاب عظيم، وأنّه هدى للعالمين، وأنّه نور مبين، وأنّه آخر رسالة إلهية إلى خلقه، فكيف يسمح ربنا لمثل هذا الكتاب أن يتعرّض للدس والتزوير والتحريف والنسيان؟، أو أن تكون بعض آياته مجانبة للحق وللحكمة فتبطل ويستغنى عنها؟.
إن الرب تعالى يصف كتابه بأنّه المقتدر الذي لا يُغْلَب ولا يأتيه الباطل من أي جانب، قال إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت: ٤١- ٤٢].
إن الباطل يقابل الحق، فالحق ثابت لا يُغْلب؛ فالقرآن حقّ في مداليله ومفاهيمه، وأحكامه خالدة، ومعارفه وأُصوله مطابقة للفطرة، وأخباره الغيبية حق لا زيغ فيه، كما أنّه نزيه عن التناقض بين دساتيره وأخباره وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [النساء: ٨٢].
فكما أنّه حقّ من حيث المادة والمعنى، فهو حقّ من حيث الصورة واللفظ أيضاً، فلا يتطرّق إليه التحريف، والحاصل أنّ تخصيص مفاد الآية (نفي الباطل) بطروء التناقض في أحكامه وتكاذب أخباره لا وجه له، فالقرآن مصون عن أيّ باطل يبطله، أو فاسد يفسده، وهذا يشمل آياته آية آية كما مجموعه.
رابعاً: إنّ النبي آمن بهذا الكتاب و آمن به المؤمنون وآمنوا جميعا بهذه الصفات التي نجدها فيه فكيف تركوه عرضة للنسيان و التحريف، علما بأنّهم أصبحوا بنّاء حضارة رائدة، فلم يتعرض المسلمون- كمجموع- لحرب إبادة حتى يمكن الافتراض أنّ ظروف العمل السري أنستهم بعض ما في كتابهم.
والقرآن الكريم هو الكتاب المقدس عند المسلمين وهو عمادهم وشغلهم الشاغل. ولقد عكف المسلمون على حفظ القرآن واستظهاره. وقد تكوّنت نتيجة هذا الإقبال المتزايد منهم على حفظه واستظهاره جماعة كبيرة، عرفت بحفظها القرآن الكريم واستظهارها لنصه بشكل مضبوط.