من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٤١
(٣)
من يبلغ الخامسة والأربعين سنة تكون شمس عمره قد دلكت وزالت عن نصف النهار، ولا ريب أن عنفوان حياته قد انتهى، ولا بد أن يحاسب نفسه حسابا عسيرا على ما مضى من أيامه .. وحين انظر إلى الوراء أتساءل: ماذا فعلت؟ لقد كانت السنين أسرع مما كنت احتسب؛ إنها كنبتة الربيع لا تكاد تزهر حتى تذوي. إن عمر البسيطة التي نحن عليها يتجاوز الأربعة ملايين عاما فما قيمة أربعين أو ثمانين سنة بالنسبة إليها؟ وإذا كانت هذه الفرصة تحدد حياتنا الخالدة فكم هي خسارة من يضيعها باللهو واللعب؟
نحن والزمن في سباق عنيف وحاسم، والزمن يعصرنا عصراً حتى يخرج آخر قطرة من ماء الحياة من كياننا .. وإننا لفي خسران كبير لو لم نتحد سرعته!.
لقد كنت أنتهز الفرص المتاحة في كتابة التفسير .. لقد تابعت التأليف في حوالي عشر دول مختلفة؛ كتبته وأنا في حالات صعبة .. استشهاد عزيز، أو وفاة قريب، أو مرض مؤلم، وربما كنت في مطار انتظر، أو كنت مستقلا طائرة أو سيارة أو قطارا، أو حتى متنزها في حديقة عامة، حيث أذكر أني كنت جالسا في بلد غريب مشغولا بكتابة التفسير في حديقة عامة إذ مر بي أطفال كانوا في رحلة مدرسية فلما رأوني التفوا حولي ينظرون مستغربين، ولم أكن أعرف لغتهم الغربية حتى أوضح لهم عملي، حتى جاء بعض مرافقي وطلب منهم الابتعاد. على العموم: كان المنظر غريبا بالنسبة إليهم، كما كان غريبا بالنسبة إلى جليسي في طائرة حلقت بنا ساعات طويلة ولم أتحدث إليه، حتى ملَّ مني لأني كنت أتابع كتاباتي .. ومضيفي في باريس كان يلح علي بالخروج من البيت للتفرج على معالم تلك المدينة، لكني كنت أفضل متابعة الكتابة إلا قليلا .. وهكذا كان علي أن أدفع الثمن لو أردت متابعة التأليف، والحكمة العربية تقول: لكل شيء آفة وللعلم آفات، وعلى المتعلم أن يتحدى كل الآفات.
ومع كل ذلك أحس بأن العمر قد ضاع في زحمة الآفات المتنوعة، كالمشاغل الكاذبة، والجلسات التافهة، والفراغات التي لم أملأها بجدية كافية. إنني أشعر أن اهتمامنا بأعظم مواهب الله علينا (العمر) أقل مما كان ينبغي، لذلك نضيعه فيما لا يغني شيئا، وقد نقضيه في اللهو واللعب ولا نعرف قيمته حقا إلا بعد أن نُوقَف للحساب ونسأل عن كل ساعة ساعة منهم فيم أفنيناها.
وقد كان سر التوفيق الذي حالف علماءنا الكرام فأنجزوا تلك المشاريع العظيمة معرفتهم بقيمة الوقت، وجديتهم في ألا يخسروا من عمرهم شيئا يحاسبون غدا عليه حسابا عسيرا.