من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٣٩
(٢)
منذ بداية توجهي إلى التفسير لاحظت فراغاً فيه من بعدين هامين
الأول: اتساع الفجوة بين التفاسير المكتوبة وبين الواقع المعاش للأمة، حيث كان هدف أغلب المفسرين إلا نادرا توضيح كلمات القرآن، وليس تطبيقها على حقائق الزمان، ولذلك لم يهتموا أكثر بتأويل القرآن وتنوير الواقع بضيائه، بينما الهدف الأسمى للآيات إنما هو تذكير الإنسان بالله واليوم الآخر ثم تبصيره نفسه وواقعه ليعيش بصورة أنبل وأفضل، ولعل الظروف السياسية لأغلب المفسرين وانغلاق بيئتهم الاجتماعية كانت تمنعهم من ذلك.
وقد حاولت أن أعالج الفراغ بقدر محدود من خلال التفسير والمحاضرات.
الثاني: وجود فجوة بين التفاسير والأحاديث المأثورة عن النبي وأهل البيت عليهم السلام اللهم إلا تلك التي تهتم بصورة مباشرة بتفسير آية كريمة، علما بأن كل أحاديث الرسول وأهل بيته في الواقع تفسير للقرآن، فليست سوى انعكاس نور الوحي على أفئدتهم، فلا بد إذاً أن نبحث عن منهج جديد لتوصيل التفسير بهذا الرافد العظيم من الروايات الشريفة، ولكن كيف؟.
إنما بإلغاء قيد اللفظ منها والتوجه إلى المعاني، فعندما نستوحي من آية كريمة حقيقة نبحث في النصوص عما يتصل بها من بصائر توضيحية فنثبتها في تفسير تلك الآية لتتكامل المعنى .. مثلا عندما نبحث عن آية كريمة تبصرنا بدور العلم والعلماء نثبت في توضيحها وتفسيرها نصوصا مأثورة حول العلم، بغض النظر عن ورودها حول تلك الآية أم لا، لأنها بالتالي تفسير للآية سواء ذكرت فيها الآية أم لا.
وبالذات الأدعية المأثورة التي هي بحق كنوز المعارف الإسلامية، وهي بالتالي قبسات من نور الوحي تجلت على السنة سادة العرفاء الميامين النبي وأهل بيته الهداة عليهم السلام. أفلا ينبغي أن نستفيد منها في تفسير آيات العرفان التي هي نصف القرآن أو تزيد؟.
كل ذلك دفعني والأخوة إلى تأسيس (دار الهدى) التي تعني بهدف تأليف تفسير موسع يعتمد على الأحاديث المأثورة بالمنهج الآنف ذكره (الاهتمام بالمعاني)، والاسم الذي أفضله لهذا التفسير أن خرج إلى النور هو: (من بينات القرآن) ليكون تفصيلا لهذا التفسير (من هدى القرآن).
وقد شقت (دار الهدى) طريقها بين غابة من الأشواك، لأننا كنا بحاجة إلى تربية بعض الإخوة على استخراج النصوص من مختلف المصادر، وعلى فهم عميق للآية المفسرة في إطار