من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٣٨
الطريقة الغريبة، فلماذا لا أفترض ذلك لنفسي؟ وأثر ذلك بصورة مباشرة في شحذ عزيمتي لإنهاء التفسير .. قبل أن يفاجئني الموت.
في ذلك التاريخ كنت قد بلغت الجزء وقد قررت حين بدأت به أن أكتب كل يوم عدة صفحات من التفسير دون أن أخطط لإنهائه، وأساسا لم أكن أحلم- يوم شرعت فيه- بأني قادر على إنهائه، بسبب ظروفي التي حفلت بالعديد من المسؤوليات المتنوعة.
عند بداية التفسير كنت في الكويت، وكما ذكرت في مقدمة الجزء الأول كنت أستريح إلى بيت من بيوت الرحمن في منطقة (بنيد القار) لبعض الوقت، وأحاول أن أختفي خلالها من المراجعات الروتينية حتى أتفرغ للكتابة، وربما كنت أسبب بعض الضيق لإخواني الذين لم يعرفوا السبب، وفعلا كنت أحرج عندما يسألني بعضهم عن ذلك، ولكن ذلك كان الوسيلة الوحيدة للاستمرار في التفسير.
ويشهد الله أنها كانت ساعات شيقة تلك التي أجدني تلميذا صغيرا في مدرسة القرآن العظيم وكنت أسعى لاستنطاق كل آية، وكل كلمة من آية، وربما كل حرف في آياته الوضيئة، ثم أسجل بعض ما يمكن تسجيله .. بينما أكثر ما في القرآن كان أسمى من التسجيل، وهل كلمات مثلي قادرة على الإحاطة برفرفة الروح، وتموج النور، وانسياب الجمال الإلهي من خلال آيات الذكر الحكيم.
كانت وصية أحد الكتاب الكبار نصب عيني عندما أستمر في الكتابة، حيث أوصى بالتوقف عنها عند الإحساس بالتعب، ولذلك أصبحت مشكلتي بعد صدمة الوفاة مزدوجة، فمن جهة كنت أريد إكمال التفسير، ومن جهة لا أستطيع التسرع فيه تطبيقا لتلك الوصية، والذات لأن منهجي كان قائما على التدبر المباشر في آيات الذكر قبل مراجعة التفاسير ثم البحث عن صلتها بالواقع، مما يستدعي صفاء الذهن وفراغ البال، مما كان يتناقض وظروفي العامة .. فاتجهت نيتي نحو إلقاء المحاضرات في التفسير في محاولة لاستباق الأجل، وربما كنت في اليوم الواحد ألقي ثلاثة دروس ليقوم الإخوة بإعادة صياغتها وإعدادها للطبع.
وقد كنت يومئذ ألقي محاضرات في التفسير كل يوم تقريبا في القسم العربي من إذاعة الجمهورية الإسلامية في إيران، وفكرت في نفسي أنني سوف أحقق هدفين برمية واحدة: إنشاء مكتبة صوتية في كامل تفسير القرآن، والتسريع في تكميل مشروع التفسير، وقد حققنا بحول الله وقوته الهدف الأول، حيث استقرت محاضرات التفسير في خمسمئة شريط كاسيت، ولكن الهدف الثاني لم يتحقق بتلك الصورة التي حلمت بها .. وكان لذلك قصة أخرى.