من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٨١ - إنا أعطيناك الكوثر
إِذْ أَغْفَى إِغْفَاءً ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مُتَبَسِّماً فَقُلْتُ مَا أَضْحَكَكَ يَا رَسُولَ الله؟. قَالَ صلى الله عليه واله
: أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آنِفاً سُورَةٌ.
فَقَرَأ: بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيْم إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ (٣)
. ثُمَّ قَالَ صلى الله عليه واله
أَتَدْرُونَ مَا الْكَوْثَرُ؟.
قُلْنَا اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ صلى الله عليه واله
فَإِنَّهُ نَهَرٌ وَعَدَنِيهِ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ خَيْراً كَثِيراً هُوَ حَوْضِي تَرِدُ عَلَيْهِ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ آنِيَتُهُ عَدَدُ نُجُومِ السَّمَاءِ فَيُخْتَلَجُ الْعَبْدُ مِنْهُمْ فَأَقُولُ: رَبِّ إِنَّهُ مِنْ أُمَّتِي. فَيَقُولُ: ما تَدْرِي مَا أَحْدَثَتْ بَعْدَك] [١].
[٢] لا يبلغ العبد كمال الانتفاع بنعم ربه إلا بمعرفة الله. والتقرب إليه زلفى. أرأيت الذي أسبغ الله عليه نعمة الأمن والعافية والغنى، ولكنه يجحد ربه كيف يفسد تلك النعم بكفرانها؟! فيستغل الأمن في إشاعة الفساد، والعافية في اتباع الشهوات، والغنى في الطغيان! كما يفسد النعم بالحرص والطمع والقلق والقنوط وسوء الخلق.
وأعظم نعم الله على الإنسان الرسالة لأنها تهديه إلى سبل السلام وتعينه في تسخير الحياة، وترشده إلى العيش الأفضل، ولكن الرسالة بدورها لا يحتملها إلا من عرف الله، وشكره عليها بالعمل والأداء. و الصلاة والزكاة هما عمودا الرسالة الإلهية، لأن الصلاة توصل الإنسان بنور ربه، والزكاة تطهر قلبه من الشح والاستئثار وعبادة الدنيا .. وهكذا أمر الله بهما بعد بيان نعمة الكوثر، فقال فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ فكلما ازداد الإنسان يقينا بربه- عبر الصلاة والزكاة- كلما ازداد هدى وفوزا وانتفاعا بنعم الله وبالذات بنعمة الكوثر، التي هي كتاب الله وعترة رسول الله. وأنى كانت الصلاة: صلاة العيد في اليوم العاشر من ذي الحجة، أو صلاة الصبح في المزدلفة، أو كل صلاة فريضة، فإنها بالتالي الشكر المناسب لنعمة الكوثر. وكذلك النحر سواء كان الأضحية في يوم العيد بمنى أو أية أضحية وأي نسك، فإنه يقوم بدوره في تطهير القلب.
وقد اختلف المفسرون في تأويل هذه الآية كما في الآية السابقة على أقوال شتى، يمكن جمعها في معنى عام واحد، بيناه آنفا. بيد أن هناك نصوصا تصرح بأن النحر هنا رفع الأيدي باتجاه القبلة عند الصلاة .. إليك بعضها
جاء عن الإمام الصادق عليه السلام أنه سُئل عن الآية
[فَقَالَ بِيَدِهِ هَكَذَا، يَعْنِي اسْتَقْبَلَ بِيَدِهِ حِذَاءَ وَجْهِهِ الْقِبْلَةَ فِي افْتِتَاحِ الصَّلَاة] [٢].
وأخرج البيهقي في سننه وغيره عن الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام قال
[لَمَّا نَزَلَتْ
[١] صحيح مسلم: ج ٢، ص ١٢.
[٢] وسائل الشيعة: ج ٦، ص ٣٠.