من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٣٩ - والعصر إن الإنسان لفي خسر
والعصر إن الإنسان لفي خسر
بسم الله الرحمن الرحيم
وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣).
بينات من الآيات
[١] يزعم الإنسان أنه كلما طال عمره كبر وزاد، بينما الحقيقة عكس ذلك تماما، فكلما مضى من عمره شطر اقترب منه أجله، وتناقص رأسمال حياته، ونقص ما تبقى منه، فزيادة المرء- إذا- في دنياه نقصان، وهو كبائع الثلج في يوم قائض يفقد رأسماله كل لحظة. هكذا يحلف القرآن بالعصر ويقول وَالْعَصْرِ قال ابن عباس: أنه قسم بالدهر، ويبدو لي: إن أقرب العصور هو عصر أنت فيه، وأشرفها عصر الرسالة حيث انبعث النبي به، وعصر العدالة حين يقوم الحجة القائم به. و قال بعضهم: إنما سمي الزمن بالعصر لأنه يَعتصِر الإنسان كما يَعْصِرُ المرء غَسِيله، وإن القسم بالدهر إنما كان بلحاظ عصره للإنسان، وأنى كان فإن الحلف به يتناسب والموضوع التالي: أي خسارة الإنسان لعمره، أوليس الزمن هو سبب الخسارة؟!.
[٢] لو عرف الإنسان كيف تتبدل خلايا جسده، وكيف يستهلك كل يوم آلاف الخلايا من مخه، دون أن يستعيض عنها شيئا، وكيف تتسارع ما حوله من أشياء في سبيل الفناء، حتى البيت الذي يسكنه يستهلك بسرعة لا يتصورها. لو عرف الإنسان أن عمره بالقياس إلى عمر الأرض التي يعيش اليوم عليها ثم ينام في رحمها يكاد لا يكون شيئا مذكورا. إنه أقصر من نسيم يهب عليه في يوم قائض، وأسرع من سحابة في يوم عاصف، بل إنه كالبرق الخاطف أو كخيال عابر. لو عرف أن كل لحظة من عمره مسؤولية كبيرة، فإما هي خطوة إلى الجنة أو سقطة في النار. لو عرف ذلك كله لأصلح نفسه. ولما ضيع نفسه. ولما ضيع من عمره شيئاً. لأنه في خسارة لولا الإيمان.