من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٣٨ - إنه لقول فصل وما هو بالهزل
الذي يختصر في بناء الإنسان فإنها حين تستقر في الرحم تبدأ بامتصاص الغذاء لتنشطر إلى خلايا ثم تتكون كل خلية في زاوية ليصنع الله منها جزءاً من وجود الإنسان بدقة ولطف حتى تكتمل نشأته.
ويجدر بنا أن نستمع هنا إلى تذكرة إيمانية على لسان الإمام الصادق عليه السلام في حديثه المفصل إلى تلميذه المفضل بن عمر حيث يقول
[نَبْتَدِئُ يَا مُفَضَّلُ بِذِكْرِ خَلْقِ الْإِنْسَانِ فَاعْتَبِرْ بِهِ فَأَوَّلُ ذَلِكَ مَا يُدَبَّرُ بِهِ الْجَنِينُ فِي الرَّحِمِ وَهُوَ مَحْجُوبٌ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ظُلْمَةِ الْبَطْنِ وَظُلْمَةِ الرَّحِمِ وَظُلْمَةِ الْمَشِيمَةِ حَيْثُ لَا حِيلَةَ عِنْدَهُ فِي طَلَبِ غِذَاءٍ وَلَا دَفْعِ أَذًى وَلَا اسْتِجْلَابِ مَنْفَعَةٍ ولَا دَفْعِ مَضَرَّةٍ فَإِنَّهُ يَجْرِي إِلَيْهِ مِنْ دَمِ الْحَيْضِ مَا يَغْذُوهُ كَمَا يَغْذُو الْمَاءُ النَّبَاتَ فَلَا يَزَالُ ذَلِكَ غِذَاؤَهُ حَتَّى إِذَا كَمَلَ خَلْقُهُ وَاسْتَحْكَمَ بَدَنُهُ وَقَوِيَ أَدِيمُهُ عَلَى مُبَاشَرَةِ الْهَوَاءِ وَبَصَّرَهُ عَلَى مُلَاقَاةِ الضِّيَاءِ هَاجَ الطَّلْقُ بِأُمِّهِ فَأَزْعَجَهُ أَشَدَّ إِزْعَاجٍ وَأَعْنَفَهُ حَتَّى يُولَدَ وَإِذَا وُلِدَ صَرَفَ ذَلِكَ الدَّمَ الَّذِي كَانَ يَغْذُوهُ مِنْ دَمِ أُمِّهِ إِلَى ثَدْيَيْهَا فَانْقَلَبَ الطَّعْمُ وَاللَّوْنُ إِلَى ضَرْبٍ آخَرَ مِنَ الْغِذَاءِ وَهُوَ أَشَدُّ مُوَافَقَةً لِلْمَوْلُودِ مِنَ الدَّمِ فَيُوَافِيهِ فِي وَقْتِ حَاجَتِهِ إِلَيْهِ.
فَحِينَ يُولَدُ قَدْ تَلَمَّظَ وَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ طَلَباً لِلرَّضَاعِ فَهُوَ يَجِدُ ثَدْيَيْ أُمِّهِ كَالْإِدَاوَتَيْنِ المُعَلَّقَتَيْنِ لِحَاجَتِهِ إِلَيْهِ فَلَا يَزَالُ يَغْتَذِي بِاللَّبَنِ مَا دَامَ رَطْبَ الْبَدَنِ رَقِيقَ الْأَمْعَاءِ لَيِّنَ الْأَعْضَاءِ حَتَّى إِذَا تَحَرَّكَ وَاحْتَاجَ إِلَى غِذَاءٍ فِيهِ صَلَابَةٌ لِيَشْتَدَّ وَيَقْوَى بَدَنُهُ طَلَعَتْ لَهُ الطَّوَاحِنُ مِنَ الْأَسْنَانِ وَالْأَضْرَاسِ لِيَمْضَغَ بِهِ الطَّعَامَ فَيَلِينَ عَلَيْهِ وَيَسْهُلَ لَهُ إِسَاغَتُهُ فَلَا يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُدْرِكَ فَإِذَا أَدْرَكَ وَكَانَ ذَكَراً طَلَعَ الشَّعْرُ فِي وَجْهِهِ فَكَانَ ذَلِكَ عَلَامَةَ الذَّكَرِ وَعِزَّ الرَّجُلِ الَّذِي يَخْرُجُ بِهِ مِنْ حَدِّ الصَّبَا وَشِبْهِ النِّسَاءِ.
وَإِنْ كَانَتْ أُنْثَى يَبْقَى وَجْهُهَا نَقِيّاً مِنَ الشَّعْرِ لِتَبْقَى لَهَا الْبَهْجَةُ وَالنَّضَارَةُ الَّتِي تَحَرَّكَ الرِّجَالَ لِمَا فِيهِ دَوَامُ النَّسْلِ وَبَقَاؤُه اعْتَبِرْ يَا مُفَضَّلُ فِيمَا يُدَبَّرُ بِهِ الْإِنْسَانُ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ الْمُخْتَلِفَةِ هَلْ تَرَى يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ بِالْإِهْمَالِ أَفَرَأَيْتَ لَوْ لَمْ يَجْرِ إِلَيْهِ ذَلِكَ الدَّمُ وَهُوَ فِي الرَّحِمِ أَلَمْ يَكُنْ سَيَذْوِي وَيَجِفُّ كَمَا يَجِفُّ النَّبَاتُ إِذَا فَقَدَ الْمَاءَ وَلَوْ لَمْ يُزْعِجْهُ الْمَخَاضُ عِنْدَ اسْتِحْكَامِهِ أَلَمْ يَكُنْ سَيَبْقَى فِي الرَّحِمِ كَالْمَوْءُودِ فِي الْأَرْضِ وَلَوْ لَمْ يُوَافِقْهُ اللَّبَنُ مَعَ وِلَادَتِهِ أَلَمْ يَكُنْ سَيَمُوتُ جُوعاً أَوْ يَغْتَذِي بِغِذَاءٍ لَا يُلَائِمُهُ وَلَا يَصْلُحُ عَلَيْهِ بَدَنُهُ وَلَوْ لَمْ تَطْلُعْ عَلَيْهِ الْأَسْنَانُ فِي وَقْتِهَا أَلَمْ يَكُنْ سَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ مَضْغُ الطَّعَامِ وَإِسَاغَتُهُ أَوْ يُقِيمُهُ عَلَى الرَّضَاعِ فَلَا يَشُدُّ بَدَنُهُ وَلَا يَصْلُحُ لِعَمَلٍ ثُمَّ كَانَ تَشْتَغِلُ أُمُّهُ بِنَفْسِهِ عَنْ تَرْبِيَةِ غَيْرِهِ مِنَ الْأَوْلَادِ وَلَوْ لَمْ يَخْرُجِ الشَّعْرُ فِي وَجْهِهِ فِي وَقْتِهِ أَلَمْ يَكُنْ سَيَبْقَى فِي هَيْئَةِ الصِّبْيَانِ وَالنِّسَاءِ فَلَا تَرَى لَهُ جَلَالَةً وَلَا وَقَارا][١].
[١] بحار الأنوار: ج ٣، ص ٦٢.