من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٣٣ - ألهاكم التكاثر
ولو وعى الإنسان هذه الحقيقة كبح شهوة التكاثر في نفسه، ولم يدع هذه الحالة تلهيه عن ذكر الله.
ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنْ النَّعِيمِ ما هو النعيم؟ اختلف المفسرون، بل واختلفت النصوص، ويبدو أن الكلمة تتسع لكل الأقوال ولو بدرجات مختلفة، فقد ينفي نص أن يكون طعام الإنسان وشرابه مما يُسأل عنه يوم القيامة، فقد جاء في مجادلة الإمام الصادق عليه السلام مع أبي حنيفة: [قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: أَخْبِرْنِي جُعِلْتُ فِدَاكَ عَنْ قَوْلِ الله عَزَّ وَجَل ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنْ النَّعِيمِ قَالَ عليه السلام
فَمَا هُوَ عِنْدَكَ يَا أَبَا حَنِيفَةَ.
قَالَ: الْأَمْنُ فِي السَّرْبِ، وَصِحَّةُ الْبَدَنِ، وَالْقُوتُ الْحَاضِر [١] فَقَالَ عليه السلام
يَا أَبَا حَنِيفَةَ! لَئِنْ وَقَّفَكَ اللهُ أَوْ أَوْقَفَكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَسْأَلَكَ عَنْ كُلِّ أَكْلَةٍ أَكَلْتَهَا وَشَرْبَةٍ شَرِبْتَهَا لَيَطُولَنَّ وُقُوفُكَ.
قَالَ: فَمَا النَّعِيمُ جُعِلْتُ فِدَاكَ؟ قَالَ عليه السلام
النَّعِيمُ؛ نَحْنُ الَّذِينَ أَنْقَذَ اللهُ النَّاسَ بِنَا مِنَ الضَّلَالَةِ، وَبَصَّرَهُمْ بِنَا مِنَ الْعَمَى، وَعَلَّمَهُمْ بِنَا مِنَ الْجَهْلِ.
قَالَ: جُعِلْتُ فِدَاكَ فَكَيْفَ كَانَ الْقُرْآنُ جَدِيداً أَبَداً؟ قَالَ عليه السلام
لِأَنَّهُ لَمْ يُجْعَلْ لِزَمَانٍ دُونَ زَمَانٍ فَتُخْلِقَهُ الْأَيَّامُ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَفَنِيَ الْقُرْآنُ قَبْلَ فَنَاءِ الْعَالَم]
، بينما يثبت ذلك نص آخر، فما هو تفسير اختلاف النصين؟ يبدو أن أحدهما ينفي المسؤولية بمعنى العقاب بينما يثبت الثاني السؤال. أو أن الأول ينفي التشديد في السؤال، بينما الثاني يثبت السؤال. ويدل على ذلك ما جاء في الحديث المأثور عن النبي صلى الله عليه واله
[كُلُّ نُعَيْمٍ مَسْئُولٌ عَنْهُ صَاحِبُهُ إِلَّا مَا كَانَ فِي غَزْوٍ أَوْ حَجٍ] [٢].
ونعود ونتساءل: عماذا يُسأل العبد يوم القيامة؟ بلى، إنه يُسأل عن طعامه من أين اكتسبه، وكيف صرفه، وفي حديث مفصل قال النبي صلى الله عليه واله لأبي بكر وعمر
[وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُسْأَلُنَ عَن نَعِيمِ هَذَا اليَوْم. يَوْمَ القِيَامَةِ،
وَكَانَا قَدْ خَرَجَا جَائِعَين فَصَاحَبَا رَسُول الله إِلى ضِيافَة مَالِك بن التَيهَان- أَحَد الأَنْصَار- فَأَكْرَمَهُم بِقِرَاه فَقَالَ لهَمَا الرَسُول ذَلِكَ، وَأَضَافَ
أَخْرَجَكُم مِن بُيوتِكُم الجُوع، ثُم لَمْ تَرْجِعُوا حَتى أَصَابَكُم هَذَا النعِيم]
[٣]. وروي عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، فِي قَوْلِ الله عَزَّ وجَلَّ: [ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنْ النَّعِيمِ قَالَ
الرُّطَبُ والْمَاءُ الْبَارِدُ] [٤].
كما يسأل المرء عن مجمل ماله من أين اكتسبه وفيم صرفه، هكذا في الأحاديث المأثورة: سأله عن شبابه فيما أفناه، وماله فيما أنفقه، وعن أمنه وعافيته. أليست الصحة نعمة كبيرة فقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه واله
[نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ الصِّحَّةُ والْفَرَاغُ][٥].
[١] بحار الأنوار: ج ١٠ ص ٢٠٩.
[٢] مستدرك الوسائل: ج ١٦ ص ٢٤٩.
[٣] القرطبي: ج ٢٠ ص ١٧٥.
[٤] وسائل الشيعة: ج ١٢ ص ١٤٠.
[٥] مستدرك الوسائل: ج ١٢ ص ١٤٠.