من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٨٤ - ويل للمطففين
(أما تكذيب هؤلاء المطففين بالحساب فلن يجديهم نفعاً بل يزيدهم عذابا) فويل للمكذبين (الذين لا حجة لهم إلا إن يقولوا) إذا تليت عليهم آيات الرحمن إنها أساطير الأولين (لعلهم تعودوا عليها فلم يتأثروا بها) إن قلوبهم قد أحاطت بها الخطيئة، فإذا بها قد ران عليها ما كانوا يكسبون كما الصدأ يحيط بالحديدة) كلا .. (لن ينفعهم تكذيبهم، ولن تنفعهم توبتهم لأنهم) عن ربهم يومئذ محجوبون (ومن حجب عن بحار رحمة الله فما الذي ينفعه). وهكذا فهم سوف يصلون الجحيم وآنئذ يرون جزاء تكذبيهم حيث يقال لهم هذا الذي كنتم به تكذبون.
بينات من الآيات
[١] هل أنا مؤمن؟ بلى، أولست أصلي وأصوم وأنفق من أموالي في سبيل الله؟ كلا .. هذه وحدها لا تكفي، فلنحذر من خداع الذات، أوليس كل الناس حتى أعتى الطغاة والمجرمين يبرئون ساحة أنفسهم؟! فما الميزان إذن؟ إنه القرآن، هكذا قال الإمام أبو جعفر (الباقر) عليه السلام لجابر بن يزيد الجعفي
[وَاعْلَمْ بِأَنَّكَ لَا تَكُونُ لَنَا وَلِيّاً حَتَّى لَوِ اجْتَمَعَ عَلَيْكَ أَهْلُ مِصْرِكَ وَقَالُوا: إِنَّكَ رَجُلُ سَوْءٍ؛ لَمْ يَحْزُنْكَ ذَلِكَ، وَلَوْ قَالُوا: إِنَّكَ رَجُلٌ صَالِحٌ؛ لَمْ يَسُرَّكَ ذَلِكَ. وَلَكِنِ اعْرِضْ نَفْسَكَ عَلَى مَا فِي كِتَابِ اللهِ فَإِنْ كُنْتَ سَالِكاً سَبِيلَهُ زَاهِداً فِي تَزْهِيدِهِ رَاغِباً فِي تَرْغِيبِهِ خَائِفاً مِنْ تَخْوِيفِهِ فَاثْبُتْ وَأَبْشِرْ فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّكَ مَا قِيلَ فِيكَ، وَإِنْ كُنْتَ مُبَايِناً لِلْقُرْآنِ فَمَا ذَا الَّذِي يَغُرُّكَ مِنْ نَفْسِك] [١].
وها هو القرآن يصف لنا واحداً من الموازين الحق التي نستطيع أن نعرف بها أنفسنا: إنه الإنصاف. كيف ذلك؟ هناك من يرى في نفسه أنه الحق فيعامل الناس على هذا الأساس، فلذلك يغش ويسرق ويستولي على حقوق الآخرين، وعلامة هذا الفريق من الناس أنهم إذا أرادوا استيفاء حق من حقوقهم من الناس أخذوه وافيا، وإذا طلب منهم أداء حق للناس انتقصوا منه، ويجري هذا في كافة شؤون حياتهم. إن لهؤلاء الويل لأنهم ليسوا منصفين وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ. قالوا: الويل بمعنى: الشر والحزن والعذاب أو الهلاك، وهو بمعنى اللعنة، أما المطفف فإنه من الطف أي جانب الشيء، والتطفيف تنقيص الشيء من جوانبه. وقال بعضهم: الويل واد في جهنم يجري فيه صديد أهل النار.
[٢] من هم هؤلاء المطففون؟ هناك مثل بارز لهم في أولئك الذين ينقصون المكيال لغيرهم، أما إذا اكتالوا لأنفسهم أخذوا حقهم وافيا الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ. قالوا عَلَى هنا بمعنى اللام، ويبدو لي أن على تعطي هنا أيضا ظلالها العام الذي يوحي
[١] بحار الأنوار: ج ٧٥، ص ١٦٢.