من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٧٩ - الإطار العام الرجوع إلى الرب
الإطار العام: الرجوع إلى الرب
لكي تتلقى كلمات الوحي، عليك أن تسمو إلى مستوى التدبر فيها، والتحسس لنبضاتها، ومتابعة مؤثراتها، والتفاعل مع إيقاعاتها .. وبكلمة؛ لا بد أن تعيشها بكل ما أوتيت من صفاء الفؤاد، وقوة الفكر، ورهافة الحس.
كذلك سورة الفجر؛ لا يعيها إلا من يندمج معها، ويسلم قياده لكلماتها التي تفيض علماً وحكمة وحياة ونوراً، بها تعرج به إلى أفق آخر، تجعله يرى ما حوله بصورة جديدة حتى يتسامى عن جواذب المادة وإصرها وأغلالها، وتطمئن نفسه إلى الله وترضى به، فإذا به وهو في الدنيا يعود بروحه إلى ربه، ويسمع هتاف ربه ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً [الفجر: ٢٨].
و يبدو أن هذه البصيرة هي محور السورة، ولكن كيف يتحقق ذلك؟ في السورة- فيما يبدو- الإجابة عن ذلك، حيث تتلخص في نقاط هي بدورها محاور تمهيدية للسورة.
أولًا: التحسس برقابة الله وأنه بالمرصاد حتى يزداد القلب وعياً وتقوىً، والسؤال: كيف؟ بالنظر في اختلاف الليل والنهار وحسن تدبيرهما من الفجر حتى الليل إذا يسر، وأيضاً بالاعتبار بمصير أولئك الجبارين الذين نسوا الله، ولم يراقبوه، فكان ربهم لهم بالمرصاد، فصب عليهم سوط عذاب (الآيات: ١- ١٤).
ثانياً: تزكية القلب من حب الدنيا، واعتبار الغنا قيمة إلهية، لأن عاقبة حب الدنيا وخيمة، إذ إنه يمسخ شخصية الإنسان فيجعله لا يكرم اليتيم، ولا يحض على طعام المسكين، ويأكل التراث جميعاً، ويكاد يعبد المال لفرط حبه له! (الآيات: ١٥- ٢٠).
ثالثاً: بتذكر أهوال الساعة، حيث تندك الأرض ببعضها دكاً دكاً، ويتجلى الله بعظمته وعدالته وشدة بطشه بالجبارين والمجرمين، يتذكر الإنسان أنه قد ضَيَّع فرصته الوحيدة في