من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٢٦ - قتل أصحاب الأخدود
[١٦] وكيف لا يكون سلطانا عظيما من يفعل ما يريد دون ممارسة لغوب ولا علاج؟ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ وإرادة الله صفة قدرته المطلقة. وهذه الآية تدل على أنه لا شيء يحد إرادته، فليست إرادته قديمة كما زعمت فلاسفة اليونان، وتسربت تلك الفكرة إلى اليهود فقالوا يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ [المائدة: ٦٤]! سبحان الله كيف يكون القادر أولا عاجزا آخرا؟! وهل يوصف الرب تعالى بالأول والآخر فيكون متغيرا؟! وانعكاس هذه الصفة علينا- نحن البشر- ألا يدعونا استمرار نعم الله وعادته الكريمة علينا إلى الغرور به، والتمادي في الذنوب دون خشية عقابه.
[١٧- ١٨] فهؤلاء جنود إبليس اجتمعوا ليبطشوا بالمؤمنين فأين انتهى بهم المقام؟ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (١٧) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ يسوقهما القرآن سوقا واحدا بالرغم من اختلاف أكثر الظروف، ذلك لأنه سنة الله واحدة فيهما كما في غيرهما.
[١٩] قد يبني البشر بنيانا متكاملا من الكذب ويحشر نفسه فيه، فتراه يبحث لإنكاره لوجود ربه أو لقدرته أو لسنته في الجزاء عن فلسفة ذات أبعاد لعله يقنع نفسه والآخرين بها، ويسميها- جدلا- فلسفة الإلحاد أو الفلسفة المادية، وقد يتجاوز كل الحقائق ويسميها زورا بالفلسفة العلمية، ثم يجعل أمام كل حق باطلا، ولكل صواب بديلا من الخطأ، ثم يحكم- في زعمه- نسج هذه الأباطيل ببعضها ويسميها نظرية أو مبدأ، وإن هي إلا سلسلة من الأكاذيب. ومثل هذا الإنسان لا يسهل عليه الخروج من شرنقة الكذب التي نسجها حول نفسه، ولذلك يتحصن ضد كل العبر والمواعظ حتى ولو كانت في مستوى عبرة العذاب الذي استأصل شأفة فرعون وثمود. بَلْ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ لأنهم كفروا بأعظم وأوضح الحقائق (بالله العظيم ورسالاته) ودخلوا في نفق التكذيب فلم يخرجوا منه للاعتبار بمصير فرعون الذي اشتهرت قصته بين أهل الكتاب أو بمصير ثمود الذين عرفت العرب أمرهم.
[٢٠] وهل ينفعهم التكذيب شيئا؟ هل يمنعهم جزاء أعمالهم أو يخدع من يجازيهم فينصرف عنهم؟ كلا .. لماذا؟ لأن الإنسان يواجه ربه والله محيط بهم علما وقدرة وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ، قالوا: وراء الشيء الجهات المحيطة به الخارجة عنه، فيكون مفهوم الآية أن الله محيط بكل بعد من أبعاد حياتهم. وهذا يتقابل مع كونهم في تكذيب.
[٢١] ولكن أينتظرون ما يذكرهم ويخرجهم من نفق التكذيب أعظم من هذا الكتاب العظيم؟ بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ عظيم المستوى، رفيع المجد، لا تناله أيدي التحريف، ولا يبلغ مستواه التافهون الحقراء الذين يعيشون في حضيض الشهوات، ولا يمس جواهر حقائقه ولآلئ معانيه سوى المطهرين من دنس الشرك، ومن رجس العقد النفسية، ومن ظلام الأفكار