من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٩٠ - إن ربك لبالمرصاد
يكرم اليتيم الذي يستدر عطف كل بشر، ولا يأبه بمسكين، ويسترسل مع المال.
[٢١] إذا تجب مواجهة هذه القيمة الشاذة التي تحسب الكرامة في الثروة، والهوان في الفقر، ولكن أنى يستطيع الإنسان التسامي من أرض خلق منها وعجنت طينته بحبها وحب شهواتها وزينتها! بلى، إذا آمن بالله، وتطلع إلى لقائه، وعرف أن الحياة حقا هي حياة الآخرة .. آنئذ تعزف نفسه عن الدنيا، ويقدم من جهده وماله لبناء مقره النهائي في الآخرة. من أجل هذا يصور لنا السياق مدى الحسرة التي تشمل الناس الذين لم يعمروا حياتهم الآخرة، وأذهبوا طيباتهم في الدنيا تلك اللحظات الزائلة التي سرعان ما تبخرت ولم تخلف لهم سوى الندم والحسرات في يوم الزلزال الكبير. كَلَّا ليست الدنيا نهاية المطاف، وليست الثروة قيمة عند الله، وليست تصوراتهم عن أنفسهم صحيحة .. ومتى يتجلى لهم ذلك؟ إنما عند قيام الساعة. إِذَا دُكَّتْ الأَرْضُ دَكّاً دَكّاً فإذا بالأبنية التي هي نتيجة تراكمات جهد الملايين تنهار بفعل الزلزال الرهيب الذي يدك الأرض فيسويها ويدعها قاعا صفصفا. قالوا: أي زلزلت الأرض فكسر بعضها بعضا وتكسرت الأشياء على ظهرها، وقال بعضهم: بل دكت جبالها وأنشازها حتى استوت. وأنى كان فإن الأرض تنبسط كالأديم لا ترى فيها عوجاً ولا أمتا، ولا حفرة ولا ارتفاعا. فهل تبقى يومئذ قيمة لعقار أو ركاز أو ذهب وفضة؟!.
[٢٢] هنالك يتجلى الرب بعظمته للعالمين، فلا أحد يقدر على الهرب من سطوته أو الشك في قهره وقدرته، حيث ترى الملك صافين ينتظرون أوامره. وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً أي آية عظيمة من آيات الله تتجلى تلك التي عبر القرآن عنها وَجَاءَ رَبُّكَ؟ لست أدري، ولكنه يوم عظيم لا يمكننا ونحن نعيش حدود الدنيا الضيقة أن نتحسس آفاق عظمته.
[٢٣] إلا إن من معاني شهود الله حضور تلك القيم التي أمر بها، وتلاشي قيم الزيف والضلال التي امتحن الناس بها في الدنيا .. لذلك فأول ما يؤتى بجهنم سجن المجرمين الرهيب. وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ أين جهنم اليوم، وكيف يؤتى بها ذلك اليوم؟ هل هي كرة ملتهبة عظيمة كالشمس وأعظم منها، حتى أن الشمس حين تقع فيها تصيح من شدة حرها، أم ماذا؟ لا نعرف، ولكن جاء في رواية مأثورة عن أبي جعفر (الباقر) عليه السلام أنه قال
[لَما نَزَلَتْ هَذِهِ الآية
وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ
سُئُلَ عَنْ ذَلِكَ رَسُول الله صلى الله عليه واله فَقَالَ: أَخْبَرَنِي الرُّوحُ الْأَمِينُ أَنَّ الله لَا إِلَهَ غَيْرُهُ إِذَا بَرَّزَ الْخَلَائِقَ وَجَمَعَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ أَتَى بِجَهَنَّمَ تُقَادُ بِأَلْفِ زِمَامٍ يَقُودُهَا مِائَةُ أَلْفِ مَلَكٍ مِنَ الْغِلَاظِ الشِّدَادِ لَهَا هَدَّةٌ وَغَضَبٌ وَزَفِيرٌ وَشَهِيقٌ وَإِنَّهَا لَتَزْفِرُ الزَّفْرَةَ فَلَوْ لَا أَنَّ الله عَزَّ وَجَلَّ أَخَّرَهُمْ لِلْحِسَابِ لَأَهْلَكَتِ الْجَمْعَ.