من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٥٥ - أليس الله بأحكم الحاكمين
ليس في جسمه وإنما في روحه، في تلك الومضة المباركة من نور المشيئة التي منح من دون سائر الأحياء، في ذلك القبس من نور العقل والعلم والمعرفة الذي زود به وميز به عن سائر الخلائق. وهذا المعنى هو الذي ينسجم مع سياق السورة، فالقوام الحسن الذي من الله به على الإنسان ليس تقويم جسده فقط؛ لأن هذا التقويم مقدمة لما هو أهم وهو قوام روحه؛ ولأن المؤمن والكافر يشتركان فيه، ولا معنى لرد الكفار وحدهم إلى أسفل سافلين.
إن الإنسان قد خلق ليكون ضيف ربه الأعلى في جنان الخلد، ليكون جليس مقعد صدق عند مليك مقتدر، ليكون مثل ربه العظيم يقول: للشيء كن فيكون، ليكون في خط ذلك الإنسان الذي يعرج إلى ربه ويعرج حتى يكون قاب قوسين أو أدنى.
[٥] ولكن هذه الفرصة المباركة التي منحت له تنعكس تماما عندما لا يستفيد منها، فيكون كالمتسلق جبلا عظيما أن زلت قدمه هوى إلى الوادي السحيق ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ إلى أين؟ إلى جهنم وساءت مصيرا، حيث يتمنى لو يكون ترابا.
[٦] ما دام الإنسان قد خلق في أحسن تقويم فليترك نفسه مع الأقدار تحمله أنى اتجهت؟ كلا .. إذ إن ذلك يؤدي به إلى أسفل سافلين، لا بد من الوعي والنشاط حتى لا يهبط إلى الدرك الأسفل، ومثله في ذلك مثل الذي يوضع في قمة جبل سامق، فتهب عليه عاصفة شديدة إن لم يستخدم كل وعيه وقوته وعزمه لطوحت به إلى الوادي. هكذا استثنى الذكر إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فقط، وهم الذين يبقون في القمة حيث وجعلهم الله. إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ لا ينقطع أجرهم، وتتواتر عليهم نعم الله، أوليس ربنا لا تزيده كثرة العطاء إلا جودا وكرما.
[٧] لا يحتاج أي حيوان إلى العناية في أمور حياته بقدر ما يحتاج الإنسان، فالطفل البشري تتضاءل احتمالات بقائه من دون عناية مناسبة قد يظل يعتمد على والديه فترة طويلة، كما أن الإنسان نفسه لا يملك وسائل دفاعية كافية في مقاومة سائر الأخطار، بينما أوتي كل حيوان أدوات كافية للدفاع، بينما أوكل هذا الأمر بالنسبة إلى الإنسان إلى عقله وذكائه، كل ذلك يدل على أنه مخلوق متحضر، يحتاج في وجوده وفي تكامله إلى النظام. فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ ما الذي يدعوك إلى تكذيب الجزاء أيها الإنسان! ومن دون الإيمان بالجزاء لا يمكن أن يبقى الإنسان حيث جعله الله في قمة الخلائق، كما أنه من دون الإيمان بالجزاء لا معنى للالتزام بالدين (الشريعة) بينما الدين ضرورة عقلية يهتدي إليها الإنسان، أليس الإنسان قد خلق اجتماعيا فهو بحاجة إلى نظام، وأفضل نظام هو الذي يوحي به الرب، أوليس في الإنسان فرص التكامل الروحي والتقرب إلى الله، فهو إذاً بحاجة إلى رسل ورسالات ينجزون له هذه